قصص و حكايات

رد الجميل

رد الجميل

لقيت نفسها تجري بكل ما أوتيت من قوة، ليخول لها ذاك الركض اللحاق بالحافلة، بغية الوصول في الوقت المحدد، وجدت نفسها تجري وسط الشارع دون أن تأبه لكلام المارة ولاحظاتهم، ولا لصوت صفير أبواق السيارات، ظلت تعدو لدقائق معدودات سرعان انتهت للوصول.

لقصر قامتها، لم تستطع عبور الدرج بخفة، فوجدت يدا تلوح لها وتخبرها باستعجال الركوب، كان السائق فاه يفيض غيضا وحقدا عليها: -ألم يُلِمَّ بك الخوف بعد؟، ردت على عجل وبوجل: والله ياعم، بل إن قسوة الانتظار لا تطاق.

لم يكتم السائق غيضه بعد، فاستمر الخصام والعتاب، ثم لمحت الفتاة الحافلة التي ستركبها، وأسرعت نحو الباب، ثم قفزت بسرعة وواصلت الركض؛ كي يتسنى لها إيجاد مقعد فارغ.

عند صعودها تحسست جيبها فلم تجد حافظة نقودها؛ ففاض الدمع من جفنها، وبقيت تصرخ، فوجدت سيدة عطوفا شعرت بخوفها، فسددت لها ثمن الرحلة.

ثم وضعت كفها على وجنتها وتسندت نافذة الزجاج وبقيت تنظر وتفكر، بدأت الحافلة تعدو وتصفر وانطلقت تنهب الطريق كما تنخر الأفكار خلايا دماغها الذي يعمل على الدوام، وعند وصولها لمحطة القطار، أطلقت سراح نظرها وراحت تقارن بين أصناف وأشكال الناس، فمنهم الماشين ومنهم الجالسين، فجلست على كرسي تنتظر دورها حتى نال منها التعب، ثم قررت الوقوف، وبقيت واقفة تعاين أحوال الناس؛ فحدث شيء غريب، ولم تصدق ضياع حافظتها.

إقرأ أيضا:من حديث الصباح: بين القهوة والفناجين

شرعت تبحث عنها في الكيس الذي تحمله على كتفها الأيسر، فوجدتها مخبأة في ركن زاوية صغيرة أسفله، فرحت فرحا شديدا واغتبطت بذلك، ولما رأت ظاهرة التسول في تلك المحطة أدمعت عيناها دمعا حارا بدون سابق إنذار ، وفجأة أتت سيدة طاعنة في السن تتسول بعضا من الدراهم حتى يتسنى لها جمع مبلغ الرحلة، فوجدت يداها تمنحها المبلغ المطلوب من غير تفكير أو تردد،وقالت في نفسها، إنه رد الجميل، لعل كربها يساوي كربي الذي نفسته عني سيدة القطار، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟

السابق
أدعية العشر الأواخر من شهر رمضان
التالي
ليلة القدر وأفضل الأدعية التي تذكر فيها

اترك تعليقاً