حكم و أقوال فى الحياة

زمن الطوارئ – الحلقة 2: وفي أنفسكم أفلا تبصرون

اختار موقع معين المعرفة أن يقدم لكم طيلة شهر رمضان حلقات من زمن الطوارئ التي قامت بكتابتها ماجدولين النهيبي أستاذة التعليم العالي بجامعة محمد الخامس، الرباط و خبيرة في اللسانيات التطبيقية وديداكتيك اللغات.


“من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة”، آية عظيمة تلخص كل أسرار سنن الخالق في خلقه، سنن تتجلى في تكييف أجسامنا وفق ساعة بيولوجية فطرية جعلها الله في بني آدم. ولربما كنا سنقضي حياتنا السريعة المضطربة دون أن ندرك كنهها يوما، لو أننا لم نعش هذا الزمن المنزلي الخاص جدا.


متى يجب أن ننام؟ ومتى يجب أن نعمل؟ متى يمكن أن نتعب، ومتى يجب أن نستريح؟ أسئلة مرت سنوات دون أن نطرحها على أنفسنا في غمرة الجري خلف تفاصيل جارفة… يا لها من أسرار عظيمة أتاح لنا زمن الطوارئ اكتشافها في أنفسنا “وفي أنفسكم أفلا تبصرون”.


يُطلِعُنا القرآن العظيم على أسرار الوقت وقواعد استثماره، كل ذلك لصالح توازن بين حاجات الروح واحتياجات الجسد. إنه توازن مضبوط موزون بمواقيت سُنّت كمحطات للتأني والوقوف، وهي أوقات العبادة في مقابل أوقات السعي، تتخللها أوقات الخلود إلى الراحة.


لقد علَّمَنا الزمن المنزلي أن لميقات الفجر نفحات تهُبّ لتملأنا بطاقة نورانية عجيبة، وبشحنة ورصيد لمواجهة أعباء اليوم ومتاعبه. فما بين الفجر إلى الظهيرة ميقات كد وسعي، ثم وقفة للراحة واسترداد النفَس، يحددها الزمن القرآني ما بين الظهر والعصر. أمور لم نكن لنذوقها لولا زمن الطوارئ. “حين تضعون ثيابكم من الظهيرة”. إنه ميزان بيولوجي عجيب يوازن بين الغذاء والاسترخاء، وخلاله العبادة والتأمل.

إقرأ أيضا:هوس التسجيل والتصوير في عصر الرقميات


وفي تسلسل عجيب، خص الزمن القرآني ما بعد العصر إلى المغرب لمعاودة التحرك والسعي، ثم ما بين المغرب والعشاء للعبادة مجددا، من أجل طرح كل متاعب اليوم، وتلقي وارِدات نورانية تُريح القلب والجسد معا. هذا هو التوازن الطبيعي الذي جُبِلت عليه خِلقة بني آدم، وقد أراد لنا الخالق إعادة اكتشافه في هذا الظرف الاستثنائي، بعدما أضعناه بين برمجة محمومة لساعات العمل، ولهاث مسعور خلف المردودية، بيد أن هذا النظام الذي سار عليه رجال ونساء قدامى أثثوا تاريخنا بالإنجازات، لم يحُل بينهم وبين أن يكتبوا مجلدات من العلوم، ولم يمنعهم من الاكتشاف والاختراع والتطور.


إن زمن الإنجاز لا يُحتسب بالساعات كما جعلونا نظن، بل يُحتسب بالطاقات… والطاقات لها موارِد، ولها محطات للتزوُّد، ولها مواقيت وموازين. ولا عجب أننا بِتنا نرى في أنفسنا وفي أجسادنا ما يُقلِق، بل وما يُفزِع، لأننا بكل بساطة لم نحترم قانون سريان الحياة الذي سنّه لنا الخالق جل وعلا.


ومع أنني إلى غاية هذه السطور تماسكت لكي أنساب مع خيط الخواطر الهادئ، لا تفوتني إشارة لا بد منها أمام ما رأيناه اليوم من تهور البعض… لنطرح سؤالا جوهريا: متى سنفهم؟؟؟ متى سنفهم الفرق بين الدين والتديُّن؟ والفرق بين مساجد الطوب ومساجد القلوب؟ متى سنقرأ قرآننا العظيم في عمقه وسموه وجماله ورُقيه؟
ليس الحجْر الصحي هو المعضلة الكبرى بقدر ما هو الحجر الفكري… وليست الطوارئ حاجزا ولا مانعا، بل الحاجز هو الاستغناء عن حق ضمنه لنا القرآن: “أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها”.

إقرأ أيضا:هوس التسجيل والتصوير في عصر الرقميات

معلومات عن الموضوع :


الآيات بالترتيب: (التغابن، 11). (النور، 58).(الذاريات، 21). (محمد، 24).
د. ماجدولين النهيبي
ليلة الأحد 23 مارس 2020

السابق
زمن الطوارئ – الحلقة 1: ادخُلوا مساكنَكم
التالي
زمن الطوارئ الحلقة 3: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة