تعليم الأطفال

سلسلة حكايات كما يجب أن تروى، الحكاية الثامنة: أليس في بلاد العجائب

يدخل هذا الموضوع في إطار التعاون بين مدونة تعليم جديد والكاتبة ليلى جبارة، وهو الثامن من سلسلة “حكايات كما يجب أن تروى“.

ذات يوم صيفي كانت تجلس “أليس” بجوار أختها الكبرى تحت ظل شجرة وارفة في حديقة المنزل وهي تستمتع بقراءة كتاب أهداه لها والدها، فلفت انتباهها أرنب أبيض سمين يرتدي صدرية ويحمل ساعة جيب فاخرة ويقفز من مكان لآخر مستعجلا، نظر إلى الساعة وبدأ بالتفوه بكلمات غريبة ثم قال:” ستغضب مني الأميرة لقد تأخرت عن موعدي المحدد” وأخذ يصرخ:” شاربي، أذناي..” ثم دخل إلى جحر كبير.

دفع الفضول بأليس إلى اللحاق به فتبعته ودخلت الجحر حتى وصلت إلى ردهة واسعة على كلا جانبيها باب صغير، نظرت حولها ورأت مفتاحا على الأرض فأخذته وفتحت أحد البابين، وشاهدت حديقة جميلة إلا أنها شعرت بالحزن لأنها لم تتمكن من الوصول إليها لأن فتحة الولوج ضيقة لكنها وجدت عند المدخل زجاجة صغيرة كتب عليها “اشربني” فشربتها وبدأ حجمها يتقلص في الحال، تمكنت أليس من الدخول وفي الحديقة وجدت كعكة شهية مكتوب عليها كلمة “كُلني” فتناولتها فإذا بحجمها يزداد وأصيبت بالذعر وشرعت في البكاء. سالت دموعها كالنهر الجاري فسبحت فيها حتى قابلت فأرا ساعدها للوصول إلى اليابسة وتجاذب معها أطراف الحديث ولما أخبرته عن قطتها المدللة خاف الفأر وهرب سريعا، فوجدت أليس نفسها وحيدة في مكان لا تعرفه.

إقرأ أيضا:اللغة العربية لغة حضارية

ظهر الأرنب الأبيض مجددا ولما رأى حجم أليس الضخم خاف منها وهرب فسقطت من جيبه مروحة التقطتها أليس وما إن قامت باستعمالها حتى عادت لحجمها الطبيعي فسعدت بذلك ثم بدأت تتجول في المكان ورأت رجلا نحيل الجسم طويل القامة يعتمر قبعة سوداء فتقدمت منه وألقت عليه التحية ثم سألته:” أين أنا؟” رد عليها:” مرحبا بك في بلاد العجائب”.

ابتسمت أليس قائلة:” لهذا كل شيء عجيب هنا.”

قال الرجل:” ما اسمك يا صغيرتي؟”

قالت:” اسمي أليس، ومن أنت يا سيدي؟”

أجابها:” أنا صانع القبعات في بلاد العجائب، هيا جربي هذه القبعة الوردية.”

وضعت أليس القبعة على رأسها وشعرت بالدفء في كامل جسمها، فاستغربت الأمر، فقال صانع القبعات:” لا تستغربي فكل شيء هنا مختلف عن عالمك، والآن اتركيني أعمل… فعلي صنع عدد كبير من القبعات، ولا وقت لأضيعه.” 

انصرفت أليس وهي لا تدري أين تذهب، وفجأة ظهر أمامها قط ساخر كان يضحك بصوت عال ويتهكم على مظهرها.

 انزعجت أليس كثيرا من القط وقالت له:” توقف عن هذا التصرف السيء، ما بك لماذا تسخر من الآخرين؟”

إقرأ أيضا:سلسلة حكايات كما يجب أن تروى، الحكاية الخامسة: السندباد البحري -الرحلة الخامسة-

قال القط:” هكذا أمضي وقتي لأتسلى، فكل شيء هنا مثير للسخرية بما فيهم أنت.”

قالت أليس مستاءة:” لن أكلمك، هيا ابتعد عن طريقي.”

قال القط:” وأين ستذهبين في هذا العالم المجنون؟”

قالت أليس:” سأبحث عن طريق العودة إلى عالمي.”

قال القط:” ابحثي عن حكيم الغابة فقد يساعدك، ولكني لا أظن أن فتاة ساذجة مثلك يمكنها تجاوزه وفك أحاجي الملكة، سأذهب الآن فالوقت يداهمني.”

رحلت أليس للبحث عن حكيم الغابة فالتقت سلحفاة خضراء اقتربت منها وسألتها عن طريق الغابة فقالت لها احمليني وسأدلك عليه.

حملت أليس السلحفاة التي أشارت عليها بالسير غربا. وبعد ساعة من الزمن طلبت منها السلحفاة أن تنزلها وتتابع السير وحدها لأن لديها موعدا هاما وجب عليها احترام الوقت المحدد له.

تابعت أليس طريقها ورأت عصفورا صغيرا نائما على الأرض فحملته برفق فصرخ في وجهها:” لماذا أيقظتني أيتها المزعجة؟”

خافت أليس وقالت:” آسفة كنت فقط أحاول المساعدة وخشيت أن يدوس عليك أحد المارة:”

قال العصفور:” لا أحد يأتي إلى هنا لهذا أنام حيث أشاء.”

إقرأ أيضا:المحسوبية جريمة لا تجد من يحاربها

اعتذرت منه أليس ثانية ثم سألته:” من فضلك هلا تدلني على بيت حكيم الغابة؟”

قال العصفور :”وماذا تعطيني بالمقابل؟”

قال أليس:” أنا لا أملك شيئا.”

قال العصفور:”بلى تملكين، أريد أن تحضري لي بعض الأغصان وتبني لي عشا.”

أخذت أليس تجمع الأغصان وتحاول لفها على بعضها البعض ولكنها لم تفلح فضحك منها العصفور وطلب منها ترك الأغصان وبلمسة من منقاره صار العش جاهزا، فعقدت الدهشة لسان أليس وقالت:” كيف فعلت ذلك بهذه السرعة، يا للروعة”.

رد العصفور:” أنت في بلاد العجائب، وكل شيء عجيب هنا، هيا الآن انزلي إلى أسفل هذا المنحدر وستجدين بيت الحكيم.”

شكرت أليس العصفور واتجهت إلى المنحدر و لم يكن النزول سهلا. وبعد جهد كبير وصلت إلى بيت الحكيم، طرقت الباب وفتح لها شيخ مسن قصير القامة أبيض الشعر بلحية بيضاء وأنف طويل ودعاها للدخول لتناول الشاي في الداخل، ومن غير أن تخبره عن سبب زيارتها عرف ما تريده وطلب منها مرافقته للخارج.

اصطحب حكيم الغابة أليس في جولة فأعجبت بالمناظر الخلابة، رأت بحيرة بنفسجية متلألئة ولحظتها تذكرت أنها قرأت عن بحيرة ملونة في “كتاب غرائب الأرض” الذي أهداها إياه والدها، فقالت لحكيم الغابة:” وفي عالمي أيضا توجد بحيرات تتميز باللون الوردي أو الأحمر، ويعود هذا التلون إلى أسباب كثيرة منها وجود بعض الطحالب التي تعطي هذا اللون للماء وكذلك ارتفاع نسبة الأملاح فيها، والأجمل أن هذه البحيرات تتميز باللون الوردي في الصيف واللون الطبيعي في الشتاء.”

تعجب الحكيم من بحيرة كهذه في مكان آخر ولكي يزيد أليس انبهارا ويبين لها أنه ما من أرض أخرى بجمال بلاد العجائب أخذها إلى الأراضي الملونة وهي منطقة بديعة تظهر وكأنها لوحة فنية بالألوان الزيتية، ابتسمت أليس وقالت:” حقا هي تحفة رائعة.”

قال حكيم الغابة:” لا أظن أنه توجد مثل هذه اللوحة الطبيعية في مكان آخر.”

أوضحت أليس:” بلى.. فقد قرأت عن أراض مماثلة تقع على “جبال دانكسيا” في الصين  ويطلق عليها اسم جبال قوس قزح أيضا، إذ تتميز بشرائح من الصخور الرسوبية الحمراء تشكلت من المعادن بجميع أنواعها والحجر الجيري منذ ملايين السنين فبعدما نقلت المياه الطمي الزاخر بهذه المكونات ترسب بفعل الحرارة وكذا بفعل الرياح ليتشكل مزيجا متجانسا من الطبقات الملونة.”

أعجب حكيم الغابة بما قالته أليس وتوجه معها إلى حديقة مزهرة فيها أنواع كثيرة من النباتات، وأخذ فطرا وهم بتناوله فقالت أليس محذرة:” توقف أرجوك..يمكن أن يكون هذا الفطر ساما فقد يكون فطر قبعة الموت وهو خطير جدا.”

قال حكيم الغابة:” لا يوجد أي شيء سام في بلاد العجائب وهذا فطر عيش الغراب.”

قالت أليس:”حتى في عالمي يوجد فطر عيش الغراب الصالح للأكل ولكنه يشبه لحد بعيد فطر قبعة الموت لهذا يجب التمييز بينهما جيدا، ومن أغرب ما قرأته عن الفطريات هو عن نوع يسمى “أوكسيسبورم فيوزاريوم” ، ولديه القدرة على امتصاص الذهب المذاب ومزجه مع مادة كيميائية أخرى وترسيبه في شكل معدن نقي على سطحه، فيظهر مرصعا لامعا.”

صمت حكيم الغابة برهة ثم قال:” يا لغزارة معلوماتك يا صغيرة، لا أظن أن ملكة القلوب ستهزمك، إذن حان وقت فراقنا، هيا اصعدي فوق هذا الفطر وسينقلك إلى المملكة.”

اعتلت أليس سطح فطر ضخم فأخذ ساقه يطول وحملها للأعلى حتى وجدت نفسها عند مدخل قلعة كبيرة، متعددة الأبراج فوقها بيارق بيضاء وسوداء، أسوارها عالية وأبوابها موصدة، نزلت من أعلى الفطر وأخذت تبحث عن البوابة الرئيسية ولما وجدتها رأت حارسين يقفان على جانبيها فحيتهما ثم سألتها الدخول فأخبرها أحدهما أنها إن دخلت القلعة ستكون مجبرة على مواجهة الملكة في تحد صعب، لم يسبق لأحد أن تغلب على الملكة فيه، وإن فازت يمكنها العودة لعالمها وفي حالة خسارتها ستبقى للأبد محتجزة في بلاد العجائب، قبلت أليس التحدي فلا خيار أمامها وهي تريد العودة إلى ديارها فكل شيء في هذا العالم غريب أو مجنون.

ولجت أليس إلى القلعة وصعدت سلالم طويلة مكونة من ألف درجة تحفها حدائق معلقة، ورغم تعبها الشديد إلا أنها كانت تحث الخطى لتصل للنهاية، وظهر أمامها القط الساخر ثانية وحاول ثنيها عن مواصلة الصعود ولكنها لم تستمع إلية وتابعت طريقها فإذا بالسلالم الممتدة تتقلص ووجدت أليس نفسها أمام قاعة فسيحة في آخرها تجلس ملكة على أريكة فاخرة وحولها حراس أشداء.

اقتربت أليس وألقت التحية على الجميع، نظرت الملكة إليها مليا وقالت:” تمكنت من الوصول أخيرا، لابد أنك فتاة ذكية وإلا ما كنت تجاوزت حكيم الغابة. حتى لا نضيع المزيد من الوقت ولأن الوقت ثمين جدا في عالم العجائب، عليك أن تبدئي أول اختبار، والأحجية الأولى تقول:”ما هو الشيء الذي يكتب ولا يقرأ؟”

 أخذت أليس تفكر في حل اللغز فظهر الأرنب البيض مجددا وهو يحمل ساعته ويقول:” الوقت من ذهب، عليك التفكير بسرعة فالوقت يداهمنا…هيا …هيا أسرعي”.

 طلبت منه أليس الهدوء لتتمكن من التفكير ثم قالت:” الجواب هو القلم، فالقلم يكتب لكنه لا يقرأ.”

انزعجت الملكة من إحراز أليس الإجابة الصحيحة وقالت:” كان لغزا سهلا وإليك الأحجية الثانية، ما هو الشيء الذي له جلد وليس بحيوان وله ورق وليس نبات وله فكر وليس بإنسان؟ ” فكرت أليس قليلا وردت:” هذا شيء واضح إنه الكتاب”.

قالت الملكة:” يبدو أنك حقا ذكية ولكن ما رأيك في هذا السؤال الجديد إنه لغز بلا حل، اسمعيني جيدا هناك بلد بلا بحر وماء ولا أرض وتراب ولا سماء وهواء لا يوجد فيها بشر ولا حجر ولا حيوان ولا شجر، فأين تقع هذه البلاد الغريبة؟”

أخذت أليس تفكر والأرنب يزعجها ويذكرها بنفاذ الوقت، وبدأت تسترجع معلوماتها وما قرأته سابقا فلم تجد الإجابة ثم تذكرت صور البلدان والمناطق التي قرأت عنها وهنا عرفت الإجابة وقالت:” هذه البلاد ليست في بلاد العجائب رغم أنها عجيبة ولكنها توجد على الخريطة.”

اندهش الحضور من سعة معرفة أليس وذكائها وإعمالها لفكرها لفك العقد فصفقوا لها جميعا وهتفوا باسمها.

استاءت الملكة وأدركت أنها لن تهزم أليس بهذه الطريقة فقررت تغيير أسلوب طرح الأسئلة  وقالت:” حسنا اسمعيني جيدا، هناك من يسرق الكعك من خزانة الطعام وعليك إمساكه، وأحذرك فقد حاول الكثيرون لكنهم لم يفلحوا.”

وأشارت الملكة للخادمة باصطحاب أليس إلى غرفة الطعام.

قامت أليس بتفحص غرفة الطعام جيدا، ثم فكرت في حيلة ذكية، فأحضرت بعض الفحم وعند حلول الظلام قامت بوضعه على مقبض الخزانة وعلى القوالب وبقيت تنتظر فغلبها النعاس ونامت، ومع بزوغ الفجر استيقظت وأسرعت للخزانة فوجدت الخزانة مفتوحة والكعك قد اختفى، فأسرعت وفتحت باب الغرفة ويا للمفاجأة كانت يدا حارس الغرفة مخضبتان بالفحم ووجهه أيضا، فخطابته أليس:” لماذا تسرق الكعك يا سيدي وأنت المكلف بحراسته؟” نظر إليها الحارس مستغربا وقال:” ماذا تقولين، لست السارق.”

قالت أليس:” بل أنت من يسرق الكعك.”

طلبت أليس من الخادمة إحضار مرآة ثم قدمتها للحارس وأخبرته بخطتها، خاف الحارس كثيرا وأجهش بالبكاء قائلا:” إن ملكتنا تمنع الجميع من أكل الكعك وتحتفظ به لنفسها فقط وعندما يضعه الطباخ في الخزانة لا أستطيع مقاومة رائحته الطيبة، أرجوك لا تخبريها و إلا قطعت رأسي.”

احتارت أليس فيما تفعله وهي تريد العودة إلى بيتها، فكرت قليلا ثم ذهبت إلى الملكة وطلبت مقابلتها، فأمرتها الملكة أن تنتظر.

انتظرت أليس طويلا حتى رأت الملكة وهي تسير بخطى متثاقلة وتتوقف أحيانا لتلتقط أنفاسها، ولما جلست سألت أليس إن عرفت من هو لص الكعك.

قالت أليس:” عرفت من هو ولكن هذا لا يهم مقارنة بما سأخبرك به يا جلالة الملكة، فتناول الكعك بشكل يومي وكميات كبيرة له أضرار كثيرة منها زيادة الوزن، تسوس الأسنان، زيادة التوتر والقلق وظهور الأمراض الخطيرة.”

قاطعتها الملكة:” وهل يسبب الكعك كل هذا، لماذا لم يخبرني حكيم الغابة بهذا، من اليوم فصاعدا لن يطبخ الكعك في القصر.”

قالت أليس:” الجميع يخافك فمن سيجرؤ على إخبارك أيتها الملكة، كما لا يمكنك منع صنع الكعك مطلقا، لأن في تناوله باعتدال بعض الفوائد منها التقليل من الاكتئاب.”

 نظرت الملكة إلى أليس وقالت :” هيا اخبريني الآن من اللص.”

قالت أليس:” أنت يا سيدتي من دفعه ليكون لصا لأنك منعت الجميع من تناول الكعك عداك وهذا ظلم كبير.”

غضبت الملكة من جرأة أليس وأمرت الحراس بإلقاء القبض عليها فحاولت الإفلات وسقطت من أعلى الدرج فاستيقظت على صوت أختها تناديها:” أليس ..أليس هيا لندخل إلى البيت.” 

لم يكن ما رأته أليس سوى حلما وعدت أختها أن تقصه عليها لا حقا بعدما نظرت إليها وقالت:” إن القراءة عالم مواز أسافر إليه وأعيش فيه أحداثا حقيقية أو خيالية في مغامرات شيقة فأقاسم الشخصيات المواقف والبطولات وأستقي الدروس والعبر لأعود لعالمي الواقعي وارتقي بذاتي وأساعد من حولي بمعرفة مفيدة وعلم نافع، آه يا أختاه لو تسافرين معي…”

السابق
سلسلة حكايات كما يجب أن تروى، الحكاية السابعة: فأر المدينة وفأر الريف
التالي
سلسلة حكايات كما يجب أن تروى، الحكاية التاسعة: علي بابا و الأَربعون لصا -النسخة الثانية-

اترك تعليقاً