مقالات متنوعة

سمكة الخفاش والدلفين الأسود

سمكة الخفاش والدلفين الأسود 1

اختارت سمكة الخفاش العيش في قاع البحر، واتخذت من زعانفها أقداما، مما مكنها من السير فوق رمال قاع البحر، وخلصها من عقدة عدم إتقان السباحة التي تخلت عنها نهائيا حتى تتجنب سخرية الأسماك الأخرى، وجعلت من نمط تحركها الجديد وسيلة لمباهاتها وإظهار تفوقها عليها، ورغم ما سببه لها شكلها الخفاشي من إحساس بالدونية، وما جلبه لها من همز ولمز، فقد حاولت التظاهر بإعجابها به، وذهبت حد إعلان نفسها ملكة جمال البحر، مسوقة في ذلك شفاهها الحمراء التي لا تتوفر لباقي الأسماك.

استطاعت شبكة الخفاش أن تضم إليها طابورا طويلا من الأسماك الصغيرة، تتبعها في حلها وترحالها، إن مشت تتبعت آثارها، وإن توقفت أحاطت بها كما تحيط الكتاكيت الصغيرة بدجاجتها، بين الفينة والأخرى كانت تحدث أسماكها بحديث القيم السمكية الراقية، ولم تكن لتغفل تنصيب نفسها راعيتها والساهرة عليها، وتصوب تجاه الأسماك الأخرى، لاسيما الكبيرة منها، كلمات التجريح، قبل أن تصدر في حقها حكم الطرد من مدينة السمك الفاضلة لعريها القيمي المبين.

ورغم أنها ضربت ذات اليمين وذات الشمال، فقد جنحت في الأخير إلى منح الدلفين الأسود مساحة واسعة من نقدها، ونصيبا جما من هجومها، متهمة إياه بالمكر والسطو والسرقة والاعتداء على ممتلكات الغير، وتكوين بنية جسمية ضخمة من الحرام، والعجز عن العيش اعتمادا على الأساليب المشروعة، وساقت لأسماكها الصغيرة وقائع تؤكد اتهاماتها، من بينها مراقبته للصيادين، وتتبعه إياهم، وانتظاره امتلاء شباكهم بالأسماك، لينقض عليها ويمزقها، ويلتهم ما بداخلها.

إقرأ أيضا:أغلب سكان ألمانيا يؤيدون مقاطعة المنتخب الألماني لمونديال قطر 2022

تلقفت الأسماك الصغيرة حديث ملهمتها، ونشرته في كل موضع حتى صار حديث العام والخاص، وبقدر ما ربا منسوب كراهيتها للدلفين الأسود، نما وترعرع حبها لسمكة الخفاش، وأحست بمزيد من الأمن والأمان في حضرتها، وفي يوم من الأيام دفنت جسمها في رمال قاع البحر، وتظاهرت بالموت، فحجت إليها أسراب من الأسماك حزينة باكية، ظنا منها أنها نفقت، قبل أن تنبعث من رمالها بسرعة كبيرة وتلتهم زوارها بشراهة، وتتجه مباشرة إلى سطح البحر لتعانق الدلفين الأسود وترتمي في حضنه، وتعلن الولاء له، وبدوره لم يكن العشيق الجديد بخيلا، فقد وعدها بنصيب يومي من محصول “قرصنته”، مما يَفضل عنه من أحشاء ومخلفات.

إقرأ أيضا:الحداثة و الشعوب العربية… إلى أين؟
السابق
فوائد مهمة لحبة القرنفل
التالي
الحل الفعلي لمواجهة وباء كورونا