أصول القبائل و العشائر

“شرفات الغوفي” في البيوت المعلقة

تقديم

بين حقيقة الواقع وسحر الخيال تحيا روائع “شرفات الغوفي”  شامخة على تلة بارتفاع 500 م تعلو سطح البحر بـ 1200 م في بلدية “غسيرة” بولاية باتنة على بعد 600 كلم جنوب شرق العاصمة الجزائر غير بعيد عن ولاية بسكرة في الجنوب الشرقي للبلاد.

تعد مدينة “الغوفي” رقعة جغرافية مميزة تتمركز بين التل والصحراء، يتخللها مجرى مائي يسميه المحليون “إغزر أملال” بمعنى “الوادي الأبيض” الذي يسري في سفح تدرجات صخرية متسلسلة تمتد نحو الأعلى بـ 60 متر لتكوّن تحفة طبيعية صقلتها يد الإنسان لتتحول لمنازل طينية حجرية تطل شرفاتها على رمال ذهبية تحتضن أشجار النخيل المعمّرة وأشجار الفاكهة المثمرة بالتين والزيتون والرمان، ترتمي ٱسفل جذوعها بعض الحشائش الخضراء المرتوية بالمياه العذبة.

الوادي الأبيض (إغزر أملال)

أصل تسمية “غوفي”

اختلف في مصدر تسمية “غوفي” فَيُقال أنها كانت تسمى “فلوس” بلهجة السكان المحليين ومعناه لب ثمرة الجوز المحاطة بقشرة صلبة تنقسم إلى جزأين عند فصلها ولأن المنطقة واقعة بين سلسلتين صخريتين جاء التشبيه بينهما، كما يُشاع أن تسمية “غوفي” جاءت نسبة لقائد عسكري فرنسي يسمى “روفي” قام ببناء فندق في هذا الفضاء السياحي وهذه مجرد مغالطة تاريخية لأن المكان تم تعميره من قبل الأمازيغ وهم السكان الأصليين ويعرفون بالشاوية منذ أكثر من 400 سنة أي قبل وجود الاحتلال العسكري وسيطرته على المنطقة وترحيله للأهالي ومن ثمة بنى إقامات للسياح والفنانين الغربيين.

إقرأ أيضا:كورنيش الإسكندرية – منطقة سبورتنج عام 1934

ويمكن أن يكون اسم “الغوفي” نسبة إلى “الكوفي” وهي كلمة أمازيغية تعني مطمورة الطعام وهو مخزن تحت الأرض، وقد يكون مجسما دائريا أو مربعا يُبْنَى بالطين ويُخَبَؤُ فيه الطعام لوقت الحاجة ويبقى محفوظا لا يتعرض للتلف أو التعفن وهذا هو حال بيوت الغوفي المكنونة وهذه أقرب التفاسير المنطقية لأصل التسمية.

“شرفات الغوفي” معلم تاريخي سياحي

 صُنِّفت “شرفات الغوفي” الأثرية تراثا عالميا محميا من قبل “اليونيسكو”، وقد كانت في الماضي مساكنا ومواقع لتخزين الطعام وكذا حصونا للاحتماء من الأعداء وقت الحروب، فنظرا لأهمية طريقة البناء المستدامة وكذا طبيعة المواد التي شُكِّلَت منها السقوف والجدران حظيت بخاصية عدم تأثرها بالعوامل الجوية، فهي تحتفظ في الداخل بالبرودة صيفا، و تمنع دخول البرد والرياح إليها شتاء محتوية الدفئ المنبعث من إشعال الحطب.

أما اليوم فقد تحولت المنطقة إلى قبلة السياح من داخل وخارج الوطن، وتم فتح محلات لبيع التذكارات المعبرة عن ثقافة سكان “الأوراس” من أوان فخارية وزرابي تقليدية، وجُهِّزَت مطاعم مختصة في صنع الأطباق المحلية التقليدية الشهيرة مثل لحم الضأن المشوي على الجمر الذي يحبه الزوار ويشيدون بطريقة إعداده وطعمه اللذيذ الذي يزيده جمال المكان حلاوة.

إقرأ أيضا:آيسلندا الجزيرة النابضة بالحياة بين تناقضات الطبيعة

تفرد شرفات الغوفي بطابعها العمراني

من غير مبالغة فإن جمال “مدينة الغوفي”  لا مثيل له، وجزما لا وجود لمكان آخر في العالم مثلها، بتجاور بيوتها وتقابل شرفاتها بشكل هندسي إبداعي متميز متجانس أهلها لأن تكون تحفة معمارية وحضارية نادرة.

إقرأ أيضا:استقلال الجزائر ووحشية المستعمر الفرنسي

أما تشبيهها بمدينة “كولورادو” الأمريكية فهو مخالف للواقع وولا يعكس حقيقة هذا الموروث العريق، فخصوصية “شرفات الغوفي” تميزها وتجعلها جوهرة أصلية فريدة يستحيل تقليدها، وإن كانت أعجوبة “حدائق بابل المعلقة” في العراق قد اختفت فإن أعجوبة “البيوت المعلقة” مازالت موجودة ليومنا هذا في الجزائر.

شرفات الغوفي
السابق
اللغة العربية الفصحى أولا
التالي
عضلات…ولكن…

اترك تعليقاً