شواطئ عربية أم شواطئ غربية

مظاهر مخالفة كلها عري واختلاط صارت تميز الشواطئ العربية وكأنها نسخة للصورة النمطية للشواطئ الغربية.

إنه موسم الاصطياف.. الجميع يمنون أنفسهم بقضاء عطلة ممتعة والترفيه عن النفس، بالاستجمام والاستفادة من قضاء بعض الوقت مع العائلة، ولكن أين؟ هذا هو السؤال الذي ضاع بين استعراض أجساد النساء والرجال، وتصرفات تخدش الحياء، ومجاهرة بالمعصية على أنها حرية شخصية.

انعدام الفضاءات العائلية أول عقبة تواجه المصطافين، حتى وإن كتب على المحلات أو الشواطئ والمساحات الخضراء أن المكان مخصص للعائلات فإن الواقع والمعاينة تثبت العكس، فيستحيل التمتع بالسباحة أو التنزه بعيدا عن المشاهد المسيئة.

ما يزعم أنها ملابس سباحة (البيكي) تغزو الشواطئ، مظاهر غربية أجساد عارية بأوشام في أي جزء، أقراط على الأنف والوجنة والجبين، ولفيف من كل هباء كأن الأمر يتعلق بسواحل أوروبا.

من غير مبالغة تحولت الأماكن السياحية والمرافق العامة إلى مجمعات للمومسات ومن يصطحبهن أو يقصدهن من المنحرفين والشواذ، فبأي حق يحرم الواحد منا من استنشاق هواء نقي والحظي بنسائمه، حينما يجد نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما إما انتهاج سياسية المقاطعة والمكوث بالبيت أو الاستسلام وقبول الوضع بالتغاضي والتنازل عن بعض المبادئ، ولكن هذا القرار الأخير تصحبه تبعات منها مواقف محرجة ومشاهد محظورة.
إذ ما قرر الأب أو المسؤول عن اتخاذ القرارات داخل الأسرة بعد تبديل الأدوار وتخاذل القوامة يصير الدخيل مألوفا، فالمهم أن الجميع سيتوجه لمركب سياحي أو الشاطئ للاستمتاع بمناظر الطبيعة وهواء البحر العليل وأشعة الشمس الدافئة، وكل محظور مباح، فحق التساؤل: ألم يلتقي هؤلاء يوما بمصطلح الآداب العامة والحشمة، أين ابتغاء مرضاة الله قولا وعملا في جدول نشاطاتهم اليومية؟

لوحات طبيعية خلابة طالها التشويه، بأفعال لا علاقة لها بالطابع الإنساني ولا تستمد من الجنس البشري غير الجسد، بل أن التمادي في المجون يجعل الفطرة تحتار، فلا تكاد تجد مكانا نظيفا يخلو من بائعات الهوى اللواتي يقصدن الشواطئ لعرض أجسادهن المبتذلة وكذا المقلدون للغرب المتجاوزون للعرف والدين بزعم أنهم مغتربون.
صار الواحد يتحرج من الذهاب في نزهة للحدائق أو البحر بسبب أولئك الذين يمضون غير مراعين للآداب ولا آبهين بمشاعر الآخرين، يتباهون ويرون أنهم لحقوا بركب الحضارة وحققوا نجاحا بعدما قطعوا شوطا كبيرا للتغلب على المعتقدات السائدة في المجتمع الذي كان بالأمس القريب يستنكر ويستهجن هذه الظواهر البغيضة بل ويرفضها، لكن الرائج حاليا والذي صار متفقا عليه أن كل ما هو منحط وحقير سيجد من يرفع شأنه، لذا أصبح الفسق والانحلال هدف من لا شأن أو قيمة له ليثبت وجوده، ولا يكتفي بما هو عليه من انحراف وضلال ليعتدي على الغير بكلام لاذع وإن لم يكن فبنظرات الاحتقار والاستصغار.
مواقف سخيفة يتعرض لها الذين التزموا بقيمهم وحافظوا على أخلاقهم وتمسكوا بتعاليم دينهم، ولم ينخدعوا بزيف المدنية ولم يغتروا بالشعارات والأصوات التي تنادي للتحرر والحرية، بعدما أدركوا أن ذلك هو عين العبودية وهل يوجد أحقر من أن يصير المرء عبدا لغرائزه، مكبلا بشهواته ويستنكف عن عبادة الواحد الأحد الذي تأنس إليه أرواح الذين وجدوا أنفسهم يعيشون في غربة داخل ديارهم، يشعرون بالعزلة في وطنهم حتى ضاقت بهم الأرض ولم يعودوا يجدون مكانا يحتضنهم أو فرصة للتمتع بما حولهم، لأن حاملات الرايات ومسوقي الآفات صاروا أسيادا وغزوا كل مكان بل وتمادوا في نفوذهم ليشغلوا المناصب الهامة في المجتمع فلا يوجد عمل إلا لأمثالهم، وإلا كيف نفسر أن كل الإعلانات عن الوظائف ومسابقات التوظيف لا تتسع إلا لذوات القوام الرشيق والعري الشديد.

إنها مناظر ومظاهر، مشاهد وشواهد تجعلنا نحزن ونستاء ونتحسر لما آل إليه فكر مجتمعنا من انحلال وما نال أركانه من دمار، فكان حري إيجاد البدائل المفيدة كفتح دورات تكوينية صيفية للشباب وتوعيتهم والقضاء على الفراغ الروحي لديهم وإدماجهم في أنشطة مفيدة، تمويل حملات دعوية وقائية عوض إقامة الحفلات ودعوة الفنانين والماجنين وتشديد الرقابة على الأماكن السياحية ومراعاة الآداب ووضع أنظمة صارمة وحازمة فما أحوجنا لزياد بن أبيه في عصرنا هذا ليعيد الأمور لنصابها.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: المحتوى محمي !!