عشرية بلدي

من صفحات الزمن الماضي تنسل صور أحداث ممتزجة سكنت المدينة بهيبة ومهابة، حملت معها أفراحا كبيرة وأقراحا عميقة، تعيد على مسامعي تهويدة أمي، ودفئ لمسة أبي، وتمرر أمام ناظري شريط جنازة أخي بعدما حرمت حق مشاركة التشييع والدفن جبرا وقسرا، ليخبو وميض آخر شعاع أمل لقاء في الدنيا.

مضيت لسنين ألملم أشلائي بين الذكرى والحنين لأهل الديار المهجورة، وأبحث عن وثيقة المصالحة المذكورة لعلي أعثر بين بنودها ما يعيد الحياة لمشاعري الميتة المقبورة منذ الصغر.

وعلى منطق الجرأة المنافية لموقف الصمت والكتمان رفعت قلمي لأدون ما بقي عالقا في ذاكرة الطفولة، ومن هنا وهناك تتعالى أصوات التحذير، وتضيئ إشارات حمراء كنذير منع من الاقتراب للمحظور، ولكني لا آبه ولا أهتم وأرفع التحدي، فقد سئمت من رعونة المستبدين، واكتفيت من تمادي الظلمة هؤلاء الشياطين الذين لا يعرفون الرحمة، ولم يعتموا للأرواح المجهولة التائهة في المقبرة، ويغتموا باللعنات ودعوات الضحايا..

لن أتوقف.. ولن يثني من عزمي أي تحذير، فما عساي أفعل بسداد الدين والوفاء بالعهد؟، من سيسكت آلام النفس الجريحة كي لا يهرق ما بقي يسندها من أنفة من غير كبرياء، من سيكتب رسائل للخلان في غربتهم ويواسيهم أن حقهم ما ضاع رغم ضياع العمر في المنفى، من سفضح بشاعة صفقة الموت الرهيبة.  

من أين لي بالنسيان وصرخات الأطفال تلاحقني في أعماق دهاليز الخوف، تغرقني دموع الصبايا وعبرات اليتامى في بحر العزلة، تقد مضجعي صيحات الأيامى عند اكتمال قمر الشهر، لاستشعر كل حين سكن الرعب النفوس، وجزت الوحوش البشرية الرقاب، وأحرقت الرضع في الأفران، وأضرمت النيران بتفجير قارورات غاز البوتان، ثم أخذت صورا تذكارية للشراكة المزعومة بين الخير والشر وتوريط الآخر.

مذابح قدمت فيها قرابين بشرية، بمباركة موبوءة وولاء جائر علا صوت الضيم كل الأصوات، وظن الجاني أنه الأقوى بعدما أفلت من العقاب بالأمس، واهم هو أن الجزاء لن يكون من جنس العمل، فلن تغني ظنونه عن الحق شيئا، إذ لابد من أن يلج المحاكم مهما امتد الزمان ولو انتقل من المكان، فالعدالة المنشودة حقيقة موجودة.

الآلام والمآسي وسمت قلوب الأبرياء، والكوابيس لا تفارق الناجين من المجازر لحد الساعر، والمشاعر السلبية من جانبها تزيد معاناة الأبرياء المصدومين، فلا شيء صار كالسابق، التجاهل والتناسي لم يفلحا في محو أثر الشروخ الممتدة في النفوس والندب المسومة على الأجساد، وقد امتد الليل سرمديا لأعوام، وخيم ظل الكآبة على المروج الخضراء المروية بالدم المهرق جورا وزورا.

أنا لا أبحث عن سر الخلود في الحياة فيكفيني فقط كشف سر الخلود للنوم الذي ما عرفته أجفاني من زمن طمعا في شهود لحظة تجلي الحقيقة بعد سنون المعاناة من غير بوح وبضيق صدر وتوجس.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: المحتوى محمي !!