عُطِّلَتْ لُغَةُ الكلامِ، فأومضت لغةُ العيون

عُطِّلَتْ لُغَةُ الكلامِ، فأومضت لغةُ العيون

الأستاذ نور الدين طويليع

هذه الصورة لِمُحْتَجَزَة إسرائيلية، أطلقت حماس سراحَها اليوم، وقد أبت، وهي تَهُمُّ بمغادرة قطاع غزة، إلا أن تشيع من كانوا يحتجزونها بنظراتٍ ذاتِ علق، ضَمَّنَتْهَا كُلَّ مشاعر الود والتقدير والاحترام.

منع الكيان الصهيوني المحتَجزين من الإدلاء بأي تصريح حتى لا تتكرر خرجة العجوز  التي هدمت الدعاية الصهيونية، وقدمتْ سردية، أبهرت من خلالها العالَم الغربي الذي انساق جزء كبير منه للرواية الصهيونية المشيطنة للفلسطينيين.

لم يدرك الصهاينةُ أن مَدَّ العواطف الهادر لا يمكن وَقْفُهُ، ولغة العيون وملامح الجسد تتكفل بإبلاغ الرسالة  في أبهى صورة وأرقاها، وأفصح تعبير وأجْلاه، وهو ما تكشف عنه سيميائية الصورة هذه التي تنطق بكل شيء، وتعبر عن حال من قال عنها الشاعر:

أشارت بطرف العين خيفة أهلها… إشارة محزون ولم تتكلم

قرأت كثيرا من سِيَرِ المعتقلين والسجناء، ووجدت القاسم المشترك بينهم جميعا غيظا وحنقا على السجان الجلاد، واستدعاءً مثيرا لمعجم الحقد عليه، ولو كان بالإمكان تحويل منسوب لغتهم الحاقدة إلى مادة متفجرة، لاستحالت قنبلةً شديدة الانفجار، لكن الأمر هنا مختلف حدَّ التناقض، فالنظرات وملامح الوجه وحركة اليدين تختزل الحكاية، وتقول إن هؤلاء ليسوا سجَّانين، بل هم طينة أخرى من البشر، مختلفة تماما عمن تعرفهم.

لاشك أن المرأة عاينت الإنسانية ولمستها في أبهى صورة، لاشك أن سجّانها كان ملاكا، وأن خيالها لم يحدثها قط عن نمط هذا الإنسان الذي رأت أخلاقه السامقة، وعاينتها عن قرب، وقارنتها بمجتمع الذئاب الذي تعيش فيه، ولاشك أن قلبها سيظل نابضا بالحب لمن اعتقلوا قلبَها، وتركوا جسدها يشم عبير الحرية.

لو كتبت هذه المرأة عن تجربتها السجنية، فلا شك أننا سنستمتع بسردية مخالفة تماما لما نقرؤه في أدب السجون.

259 مشاهدة