السيرة النبوية

غزوة بدر الكبرى أول معركة فاصلة في الإسلام

مقدمة

من صفحات التاريخ الإسلامي المشرقة صفحة السرايا والغزوات التي كانت معارك شاهدة على صراع الحق والباطل، والمواجهة بين الهدى والضلال.

ومن بين هذه الغزوات العظيمة تبزغ غزوة بدر الكبرى التي تعد مرجعا هاما بما حوته من دروس وعبر لانتصار الصابرين رغم قلة عددهم وعدتهم في مواجهة قوة كبيرة ظنت النصر بتعدادها فما كان الله ليعز من عاداه ويذل من والاه، ومكن الله لعباده الصالحين في الأرض ليمتد نور الإسلام وتتحق رؤيا آمنة بنت وهب برؤيتها لنور أضاءت له قصور الشام فطال بعدها باقي أنحاء المعمورة

متى وأين وقعت غزوة بدر؟

 في يوم السابع عشر من رمضان من العام الثاني للهجرة الموافق لـ 13 مارس 624م تواجه جيش المسلمين تحت قيادة رسول الإسلام محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم مع قبيلة قريش وحلفائها من قبائل العرب بقيادة عمرو بن هشام المخزومي القرشي.

وقع القتال بمنطقة بين مكة والمدينة تسمى بئر بدر ومنها اشتق اسم الغزوة التي كانت أول معركة فاصلة بين دين الحق والضلال.

سبب غزوة بدرا


علم الرسول  صلى الله عليه وسلم بخبر قافلة لقريش خرجت للتجارة إلى الشام بإشراف أبى سفيان بن حرب، فأراد اعتراضها ليأخذ ما فيها مقابل ما أخذته قريش من أموال المسلمين وعقاراتهم في مكة، لكن القافلة رحلت ولم يلحق بها النبي عليه الصلاة والسلام وجنده وكان ذلك في جمادى الأولى والثانية من السنة الثانية للهجرة، فلما اقترب موعد رجوع القافلة من الشام بعث الرسول عليه الصلاة والسلام طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد رضي الله عنهما لتقصي أخبار القافلة، فقصدا منطقة الحوراء ومكثا بها مستخفيين عن العيون لحين مرور أبي سفيان، وعادا إلى المدينة بخبر الرجوع.

إقرأ أيضا:الصحابي الجليل البراء بن مالك رضي الله عنه

وأرسل  الرسول عليه الصلاة والسلام  بَسْبَس بن عمرو رضي الله عنه لمعرفة قوام القافلة فعاد بالخبر اليقين، إذ أنها مكونة من ألف بعير محملين بالبضائع، ويحرسها أربعون رجلا.

قام النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبا أصحابه:” هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها”.

 
بلغ خبر عزم المسلمين على اعتراض القافلة مسامع أبي سفيان وهو فى طريق عودته إلى مكة، فأرسل إلى قريش يستنفرهم للخروج وحماية أموالهم.
تجهزت قريش وخرج سادتها وأشرافها في ما يقارب الألف مقاتل، منهم ستمائة رجل بدروع ومائة فرس، وسبعمائة بعير، ومعهم قينات يقرعن دفوف الحرب ويتغنين بأشعار هجاء المسلمين ومدح سادة قريش لزيادة حماس المحاربين.

وتمكن أبو سفيان من النجاة واحترز من المواجهة، فأرسل إلى قريش يحثهم على الرجوع لكن أبا جهل أبى إلا أن يخرج لقتال جيش المسلمين والذي كان عدد مقاتليه ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً، 83 مهاجرا، و231 أنصاريا ( 61 من الأوس، 170 من الخزرج)، ولم يكن معهم سوى 70 بعير.

قيادة رشيدة وأراء سديدة

 استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في خوض القتال فأشاروا عليه بدخول المعركة، فساروا إلى أرض بدر،وأشار الْحُبَاب بْنَ الْمُنْذِرِ رضي الله عنه بالنزول في مكان مناسب حيث قال:” يَا رَسُولَ اللّهِ ! أَرَأَيْت هَذَا الْمَنْزِلَ، أَمَنْزِلاً أَنْزَلَكَهُ اللّهُ، لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدّمَهُ ولا نَتَأَخّرَ عَنْهُ، أَمْ هُوَ الرّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ ؟ قَالَ : ” بَلْ هُوَ الرّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ” .. فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللّهِ فَإِنّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلِ، فَانْهَضْ بِالنّاسِ حَتّى نَأْتِيَ أَدْنَى مَاءٍ مِنْ الْقَوْمِ ، فَنَنْزِلَهُ ثُمّ نُغَوّرَ مَا وَرَاءَهُ مِنْ الْقُلُبِ، ثُمّ نَبْنِيَ عَلَيْهِ حَوْضًا فَنَمْلَؤُهُ مَاءً، ثُمّ نُقَاتِلَ الْقَوْمَ، فَنَشْرَبَ وَلَا يَشْرَبُونَ.”
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ  :” لَقَدْ أَشَرْت بِالرّأْيِ”.
وبادر النبي عليه الصلاة والسلام إلى التنفيذ مع صحبه رضوان الله عليهم.
كما أشار سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ رضي الله عنه ببناء عريش من الجريد قائلا : ” يَا نَبِيّ اللّهِ، أَلا نَبْنِي لَك عَرِيشا َتكُونُ فِيهِ نُعِدّ عِنْدَك رَكَائِبَك، ثُمّ نَلْقَى عَدُوّنَا، فَإِنْ أَعَزّنَا اللّهُ وَأَظْهَرَنَا عَلَى عَدُوّنَا، كَانَ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْنَا، وَإِنْ كَانَتْ الْأُخْرَى، جَلَسَتْ عَلَى رَكَائِبِك، فَلَحِقَتْ بِمَنْ وَرَاءَنَا، فَقَدْ تَخَلّفَ عَنْك أَقْوَامٌ – يَا نَبِيّ اللّهِ – مَا نَحْنُ بِأَشَدّ لَك حُبّا مِنْهُمْ وَلَوْ ظَنّوا أَنّك تَلْقَى حَرْبًا مَا تَخَلّفُوا عَنْك، يَمْنَعُك اللّهُ بِهِمْ يُنَاصِحُونَكَ وَيُجَاهِدُونَ مَعَك”.

إقرأ أيضا:وباء كورنا أين كيف ولماذا؟

فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم المشورة وأثنى عليه ودعا له، ثم تم بناء العريش على تل مرتفع يستشرف ويطل على ساحة القتال.

وعُيِّنَّت فرقة من جنود الأنصار بقيادة سعد بن معاذ رضي الله عنهم لحراسة مقر قيادة النبي عليه الصلاة والسلام وحمايته.

دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ونصر الله له


لما أنهى الرسول صلى الله عليه وسلم تجهيز المقاتلين وإعداد الصفوف عاد إلى مركز القيادة مع رفيق دربه أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وشرع في الدعاء والتضرع إلى الله قائلا: ” اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي .. اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي.. اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الإسلام لا تُعْبَدْ فِي الأرْضِ”.
ومازال على هذه الحال مستقبلا القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه فحمله أبو بكر رضي الله عنه وقال :”يَا نَبِيَّ اللَّهِ.. كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ” … فرد عليه” أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْرٍ ..أَتَاك نَصْرُ اللّهِ ..هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِعَنَانِ فَرَسٍ يَقُودُهُ، عَلَى ثَنَايَاهُ النّقْعُ”.

المواجهة الحاسمة

بدأت المعركة وتقابل الجمعان فخرج من المشركين؛ عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن شيبة، ومن تقدم من المسلمين عبيدة بن الحارث، وحمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم، فواجه حمزة شيبة فقتله، وقتل على بن أبي طالب الوليد، وجرح عبيدة عتبة، فهجم حمزة وعلي على عتبة وأردياه قتيلا، فاندفع الجيشان واحتدمت المعركة.

إقرأ أيضا:قيلوا فإن الشياطين لا تقيل

نصر مبين وتمكين

حمي القتال، فكان النصر للمسلمين، وقد استشهد منهم أربعة عشر (6 من المهاجرين، 8 من الأنصار) وهم:

  1. عمير بن أبي وقاص
  2. صفوان بن وهب
  3. ذو الشمالين بن عبد عمرو
  4. مهجع بن صالح
  5. عاقل بن البكير
  6. عبيدة بن الحارث
  7. سعد بن خيثمة
  8. مبشر بن عبد المنذر.
  9. حارثة بن سراقة
  10. رافع بن المعلا
  11. عمير بن الحمام
  12. يزيد بن الحارث
  13. معوذ بن الحارث
  14. عوف بن الحارث

فرضي الله عن هؤلاء الأبطال وأرضاهم وأسكنهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وجعل ذكراهم خالدة عبر الأزمان بما قدموه ليكونوا فخرا للأمة وعزا.

شهداء غزوة بدر رضي الله عنهم

وقُتل من جيش المشركين سبعون، وأُسر سبعون، وافتدى المشركون أسراهم بالمال.

 وعفا النبي ثلى الله عليه وسلم عن بعض الأسرى دون أن يأخذ فدية مراعاة لظروفهم المادية، وكلّف المتعلمين منهم بتعليم أطفال المسلمين القراءة والكتابة مقابل الحرية.

وأرسل عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة رضي الله عنهما لحمل البشرى إلى المسلمين في المدينة بانتصارهم وهزيمة قريش النكراء.

مكث الرسول صلى الله عليه وسلم في بدر ثلاثة أيام بعد المعركة، ودُفن من قتل من المسلمين في مكان استشهادهم، ووقف النبي عليه الصلاة والسلام على قتلى قريش وقال: “بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس” .

وقد نال أهل بدر فوزا كبيرا وغنيمة، وهم المغفور لهم، وحتى إن وقع منهم شيئا، ففي الصحيحين عن عليٍّ رضي الله عنه قال في قصة حاطب بن أبي بَلْتَعَة رضي الله عنه لما خاطَب أهل مكة، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم:” إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك؟ لعل الله أن يكون قد اطَّلََع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم”، والمراد أن سيئاتهم مغفورة بما قدموه يوم بدر.


السابق
حقائق لا تعرفها عن برج إيفيل
التالي
متعة القراءة وأجمل ما قيل فيها