فسطاط علماء السلطان.. وفتاوى الترفيه والتطبيع والخذلان
فسطاط علماء السلطان.. وفتاوى الترفيه والتطبيع والخذلان

العلماء ورثة الأنبياء، لما لهم من فضل كبير، فهم حاملو المشعل الذي ينير درب الأمة، هم صحوة المجتمع وضميره الحي، هم القادة الذين يحملون لواء الصلاح وسداد الرأي ويسعون لأداء الأمانة بإعلاء كلمة الحق ونصرة المظلوم والوقوف في وجه الظالم، وبالمختصر هم المسؤولون عن تبليغ شرع الله في أرضه، لأنهم حملة العلم الشرعي والمكلفين بتوضيحه والقيام عليه.

لكنه على ما يبدو زمن التناقضات والمفارقات، حيث افترق علماء اليوم إلى فسطاطين أولهما علماء الدين الصالحين والذين لا يخشون لومة لائم، وهم قلة يعانون إما خلف قضبان السجون أو بالحظر والإقامة الجبرية ويلاقون تهما عدة أولها الإرهاب، كما هو الحال في بلاد الحرمين، حيث تشهد حملة اعتقالات واسعة تطال رجال الدين مثل: الداعية سلمان العودة، ناصر العمر، عوض القرني، علي العمري، والشيخ خالد الراشد الذي اعتقل منذ عام 2005م، بسبب خطبة “يا أمة محمد” والتي احتج فيها على الرسوم المسيئة لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ودعا لنصرته، مطالبا بغلق سفارة الدنمارك، إلا أن السلطات حكمت عليه بالسجن لمدة 15 سنة، وذلك في سبتمبر/ أيلول 2005م، وانتهت مدة محكوميته في سبتمبر/ أيلول 2020م، إلا أنه لم يفرج عنه بعد، رغم الدعوات المتواصلة والحملات على مواقع التواصل الاجتماعي للإفراج عنه.

هم علماء خالفوا رأي السلطة الحاكمة، بعد اتخاذها تدابير دخيلة بزعم الانفتاح، وخشيوا على طمس الهوية الثقافية والمساس بالقيم والتقاليد والعادات والأهم مخالفة أحكام شرعية ثابتة، بل وأنشئت لجان وهيئات للترفيه، وأي ترفيه على النمط الغربي؟ فكل العجب من افتتاح “ملهى ليلي حلال”، مصطلح جمع النقيضين، أو تحليل المحرم علنا.

ولكن بلا مراء أن هذا التحليل لم يكن ليأتي من العدم، بل بمباركة الفسطاط الثاني وهم علماء السلطان، أو كما يعرفون شيوخ البلاط الملكي الذين يفصلون الفتاوى حسب المقاس المراد، ويمجدون الحكام ولو كانوا طغاة، طمعا في نيل سمعة ومكانة، أو مال وجاه، ويضيعون بذلك حقوقا، بل هم سبب رئيسي في وهن الأمة وهلاكها، ورغم وجودهم منذ القدم إلا أنهم صاروا أكثر عددا وسطوة من ذي قبل.

غذت الشعوب ناقمة عليهم ولا تلتزم بفتاويهم، يلقون الإساءة والسخرية والتهكم والسخط، فكيف يعقل أن بينهم من يرفع يديه بالدعاء لترامب في الحرم المكي؟.

وقد أخرج أبو داود والبيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: “…ومن أتى أبواب السلاطين افتتن، وما ازداد عبد من السلطان دنوًا إلا ازداد من الله بعدًا”.

لقد وفقدوا الهيبة والمكانة الجليلة التي وهبها الله تعالى للعالم لأنهم أرادوا عرض الدنيا فخسروها، حتى أنهم قدموا من التنازلات ما لا يرضاه الجاهل، فكيف وهم يحضرون برامج ماجنة منحطة ويجالسون الفساق والصادحين بالباطل بدعوى الانفتاح ليبدعوا في فتاوى لا يرضاها عقل سليم، مثلما فسروا آيات الحجاب على هواهم وخصوه بنساء النبي صلى الله عليه وسلم، وكأن الخطاب لم يشمل نساء الأمة ولسن بمؤمنات.
ليفتح باب التجاوزات والانحلال الخلقي على مصراعيه أين يباع كل شيء بما في ذلك الشرف والقيم الخلقية وبأبخس الأثمان.
تمادت الدعوات التحررية في ادعاءاتها ولم تعد تحمل مبدأ “من الظلام إلى النور” بل استبدلته بصيحة جديدة “من النور إلى الفجور”، بمباركة مجموعة من علماء الطبقة الواهمة ليوجهوا فكر الأمة للهاوية، وينصب جل الاهتمام على سفاسف الأمور ومحقراتها..
أوَ يربى النشء على هذا النحو؟ أو صار عنوان شوارعنا الانحلال الخلقي والتطاول على العرف والدين؟، هل صارت جراح إخواننا ودماؤهم آخر همنا بل خارج قائمة اهتماماتنا؟، من سيهب لنصرة الأقصى  والمقدسات تدنس؟…

أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابات وحلول تطبيقية وفعالة، ولكن العقول مغيبة بالترفيه والتهكم واللامبالاة حتى في الأمور الجادة والقضايا المصيرية، فلا بأس إذن فالفتاوى جاهزة للرضى واتباع المتغلب، وموالاة أمريكا وحلفائها والتطبيع مع الصهاينة، فليس غريبا أن يظهر وسيم يوسف أحمد شحاده أو الشحات الملح في جمع فتات الموائد ويناصر الكيان الصهيوني المحتل، فهذا لا يدخل في باب الولاء والبراء لأن المصالح الاقتصادية والسياسية توجب ذلك، وقطع الأرحام وحصار المسلمين ليس من المحرمات لأن في ذلك مصلحة مقدمة فضلا عن تجنب إراقة الدماء وغيرها من التصريحات التي تجهز في مخابر حديثة وبمعايير متطورة.

ليس كل من ادعى حمل العلم فهو عالم، ولا يوجد ابتكار يسمى إسلاما حداثيا بمقاييس غربية، لإرضاء الضالين والمغضوب عليهم، ورضاهم لن يكون إلا باتباع ملتهم جملة لا تنازلا تلوى الآخر، وملة الكفر واحدة بلا مراء.
تغيير المفاهيم والتلاعب بالعقول من أجل إظهار الظالم على أنه بطل ومخلص الشعوب، وجعل الباطل حقا، وتزيين المعاصي بإلباسها ثوب التحرر والانفتاح، هذا هو التجرؤ الصريح على المحارم.
ولكن يبقى العزاء أن الله سبحانه لا تخفى عنه خافية، وقدر الأمور كلها، فسخر للدين رجالا لا يكلون ولا يملون مهما بلغ بهم بطش الطغاة وغطرستهم، ويفقهون حقا أن وعد الله حق، فقد قال النبي الكريم صلى الله علية وسلم :”يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها”.. أي أنه كلما انحرف الكثير من الناس عن جادة الدين الذي أكمله الله لعباده، بعث إليهم علماء أو عالمًا بصيرًا بالإسلام، وداعيةً رشيدًا حكيما، يبصر الناس بكتاب الله وسنة رسوله الثابتة، ويجنبهم البدع والأهواء، ويحذرهم محدثات الأمور، ويردهم عن انحرافهم إلى الصراط المستقيم ولا يخاف في ذلك سلطانا ولا يبتغي مالا أو جاها.

وخلاصة القول ما أخرجه ابن عدي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” إن في جهنم واديًا تستعيذ منه كل يوم سبعين مرة، أعدَّه الله للقرَّاء المرائين في أعمالهم، وإن أبغض الخلق إلى الله عالم السلطان”.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: المحتوى محمي !!