قبس من النور

حسناء وهابي4 مايو 2021آخر تحديث : منذ 7 أشهر
حسناء وهابي
قصص و حكايات
قبس من النور

حل ببيت بسمة ضيف أنيق، قصير القامة، منتفخ البطن وهي دلالة على جوده وكرمه، يبدو عليه العطاء والسخاء وطول اليد، له زوجة تدعى لميس وله طفلين صغيرين، بنت وولد، الولد يدعى ياسر والبنت حفصة.

كانت بسمة شغوفة بالسفر والتطلع إلى ماوراء الجبال والطبيعة، حيث إنها كانت منحصرة بين رعي شويهاتها وتعليف وتسمين خرافها، وجلب الماء والحطب، ومرة في الأسبوع كانت تكافؤها أمها بإجازة للذهاب إلى المدرسة بغية تعلم القراءة والكتابة، فتارة تكون فرحة لأنها ستطلب العلم وستبحر في قنوات المعرفة، وستشفي غليل أسئلتها الطفولية، وتارة تحزن لأنها ستوبخ من طرف المعلم سي إدريس  وهو رجل طاعن في السن يملك عصا سحريةرقيقة تلفح الأنامل من بعيد، كشمس غاضبة عن وجه القمر، متميز بشدة صرامته، شخت الخلقة، أشعث الشعر،أبيض الوجه، له حذاء كلاسيكي يوحي أنه قد شارك به في الحربين، فعندما يطأ به الأرض تهتز النفوس من شدة الفزع الذي يحمله صدره، ثم تأتي الصغيرة فجأة لتجده قد خزن لها من اللوم والعتاب مايكفي، لكن بالرغم من قسوته وشدة صلابته، إلا أنه كان رقيق الطبع في تعامله معها لوحدها.

كانت بسمة مثل قبس من النور في ظلمة الجهل والأمية داخل القرية وبناتها، وكان يزودها بالدروس والمعلومات، وحتى الأدوات الدراسية، فكلما ذهب إلى المدينة، كان دائما ما يشتري لها الأقلام والكراسات والدفاتر، وعلى قدر هذا العطف الجميل، إلا أنه لايرحمها إن لم تنجز الواجبات والتمارين.

كانت بسمة بنت ذكية نشيطة جدا، حيث كانت تفهم مقصده من خلال نظراته الجاحظة، فبين سي إدريس وبسمة عهد لايعرفه سكان القرية قط، وهذا العهد بمثابة الكفاح والصمود والقتال والمثابرة القاتلة للوصول إلى الحرية والانعتاق من قيود الجهل والأمية، أبويها لم يكونا يعرفان هذا العهد الذي أبرم بين ابنتهما بسمة والمعلم سي إدريس.

بقيت الصبية غارقة في متاهات وشعاب الأمية طوال أيام الأسبوع بين الرعي والري والكنس والغسيل والنسيج، فهي بنت متكاملة؛ تتقن الفلاحة وكانت ملمة بخباياها وآلياتها ومعارفها، لكنها لاتنسى الواجبات التي وجب عليها القيام بها، بل الأكثر من ذلك باتت طفلة عصامية، حيث أضحت تحضر الواجبات التي كلفت بها، ثم تعرج إلى تمارين جديدة، وهذا ماجعلها تتفوق بمائة درجة عن زملائها المنعزلين عن عالمها القروي، وأصبحت تلقى الترحاب والبهجة من وجه المعلم، ولم يكتف بالأدوات المدرسية فحسب، بل بات يشتري لها الأحذية والألبسة تارة،و تارة أخرى يشتري لها الحلويات، وهذا ماجعلها تتطلع لغد أفضل.

بقيت على هذا الحال، إلى أن نجحت وحصلت على شهادة السادس ابتدائي، هنا ستبتدئ محاولات الهروب، حيث كان قد نصحها المعلم بأن تتمرد عن الواقع المحصور في القرية والتطلع إلى العلا؛ إلى عالم المدينة، إلى طموح المعرفة وعالم الأنترنت، إلى الذهاب إلى البحر ومقارنته بالوادي المحصور بين المنبع والمصب، والبحر الممتد بين المحيطات، إلى الحرية الفكرية.

لكن هيهات..هيهات، لاسند ولامعيل سوى رب رحيم، وفي ذلك اليوم المشهود كانت قد ذهبت رفقة قطيع ماشيتها إلى أحضان الغابة الرحبة، وتاهت بين أغصان الأشجار وأفكارها المهترئة التي تكاد أن تتسبب في تفجير خلايا دماغها و إتلاف شغاف قلبها، حتى سمعت مناد ينادي باسمها الجميل:بسمة م..م..م..بسمة..م.م.م، هذا الصوت البعيد هو لراع كان يرعى بقرته في حاشية الغابة وسمع ابنة عمها زهور تناديها، ففهمت أنه هناك حدث طارئ، وفي سرعة مبهرة جدا، كانت قد عادت للبيت، لتجد الضيف الجميل، فتبادرت إلى ذهنها أفكار شتى، وخطرت ببالها فكرة أن هذا الرجل هو المنقذ الوحيد الذي سينقذها من ظلمة الجهل وركود الواقع المعاش إلى التحلق في سماء العلم والمعرفة، لكن المسكينة تخطئ هدف المرمى مرة أخرى.

جمعت ملابسها الجديدة التي اشتراها لها المعلم القدير، وكانت قد احتفظت بها، ثم ذهبت وبينما هي تدير ظهرها ولسانها يردد”إلى أين سأذهب ياترى؟ولماذا؟هل فعلا سأرحل للمدينة كي أدرس وأبحر في شواطئ العلم ثم الغوص في محيطاته كما أخبرني معلمي؟ كيف سيعاملونني؟ هل لهم أولاد بمثل سني؟ وهل سيكونون لطفاء معي؟ هل سيشترون لي كتب ككتب أولادهم؟”، كلها أسئلة وافتراضات واهية أمام الواقع الذي سيفرض نفسه في المدى القريب.

وفجأة تجد نفسها واقفة أمام بناية عملاقة فاتنة الرؤية، جميلة المنظر، ليست كالكوخ المهترئ الذي آواها من شتاء البرد القارس، وخرج الطفلين وأخذا يتمعنا في ملامحها وهيئتها، بعدئذ بدأت الجلسة المنعقدة والمتعلقة بالأوامر والنواهي، ثم استهلت المعاناة وألوان العذاب وبدأت الطفلة تصبو وتحنو إلى الواقع الطفولي الطبيعي، لكن القطار لم يؤلل بعد، واستبدلت ابتسامة بسمة بدمع وعبوس، وماتت الصبية المرحة وولدت الفتاة الكاشرة المتوعدة للواقع المر، ولم تحض بعناية جميلة ولا بمعاملة رحيمة، وهذا ما جعلها تفكر مرارا وتكرارا في الغوص في العلم والتهام الكتب، لتلقى نفسها في بيت مظلم مغمى عليها، إثر إصابتها بضربة قاسية بمقلاة حامية، من قبل السيدة لميس، وهي المرأة المحامية، وكانت هذه الضربة مجرد تنبؤ لما سيأتي.

قتلت الرغبة والطموح واستبدلت بالنمطية والابتذال والموت البطيئ، لكن هذا لم يدم طويلا، كون الصبية بسمة باتت تجوب شوارع المدينة ليلا نهارا؛ بحثا عن عمل قار يخول لها تأدية الإيجار، وفي الوقت نفسه استكمال دراستها التي هي هدفها ومبتغاها وطوق نجاتها، وجدت الصبية ضالتها وتحررت من قيود عائلة استغلالية، وقوانين مجحفة ضارية، ثم أمسكت بورقة وأطلقت العنان لقلمها ، وبدأت تخطط والدمع ينهطل من جفنيها، وأضرمت نار النسيان بين سطورها،واسترددت عافية مرحها وبساطتها التي قتلت ونهكت في سالف الذكر،وبدأت تردد “ماأجمل الحرية!”، لكن هل ستطالها في عالم مضطرب أضاع الحقوق وحمل المظالم؟

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة