الصحابة و التابعين و الصالحين

قصة حاطب بن أبي بلتعة

حاطب-بن-أبي-بلتعة

نقضت قريشٌ الصلحَ الذي أبرمته مع النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- في الحديبية فقرر رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- معاقبتها، وأمر أصحابه بالتجهّز للغزو، وأخفى وجهته، حتى يباغت قريشًا فهذه الحرب حيلة، ودعا الله تعالى قائلًا: (اللهمَّ عمِّ عَليهم خَبَرَنا حتى نأخُذَهم بغتةً).

وفي هذه الأثناء قدمت إلى المدينة (يثرب) امرأة من المشركين من قريش اسمها سارة، وكانت مولاةً لرجل من بني هاشم، تطلب المساعدة إثر حاجة شديدة ألمّت بها، فحثّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- على إعطائها وسد حاجتها، فأعطوها مالًا وثيابًا وجملًا تركبه، فخرجت عائدة إلى مكة.

اغتنم حاطب بن أبي بلتعة -رضي الله عنه- عودتها وحمّلها رسالة إلى أهل مكّة مقابل مبلغ من المال دفعه لها، وكتب في الرسالة يخبر قريشًا بعزم النبي -صلّى الله عليه وسلّم- على غزوهم، وأن وجهته قد تكون مكّة، وما دفع حاطبًا -رضي الله عنه- لفعل ذلك أنه لم يكن قُرشيًا، وإنما كان حليفًا لقريش، وكان له أهلٌ وأموالٌ في مكّة (قيل أم مسنة)، فأراد بهذا العمل أن يصنع معروفًا لقريش، فيكافؤوه بحماية أقاربه وأمواله حين يغزوهم المسلمون ولا يشردوا بهم.

لكنّ الله تعالى أخبر نبيّه -صلّى الله عليه وسلّم- بما قام به حاطب، فأرسل عددًا من فرسان أصحابة يأتوه بالرسالة قبل أن تصل لقريش.

إقرأ أيضا:من أسماء الله الحسنى “الجبار”

لكنّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- سأل حاطبًا -رضي الله عنه- عن السبب الذي دفعه للقيام بهذا الفعل، فأخبره أنه لم يفعل ذلك ردّة عن الدين، وإنما فعله لمصلحة دنيوية، فصدّقه النبي -صلّى الله عليه وسلّم- وقَبِلَ قوله ولم يكفّره. ولسابقته في الإسلام والجهاد لم يعاقبه وعفا عنه ونهى عن قتله.

قَالَ الْبُخَارِيُّ: حدَّثَنَا قُتَيْبَةُ: حدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَاللَّهِ بْنَ أَبِي رَافِعٍ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَالزُّبَيْرُ وَالْمِقْدَادُ فَقَالَ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا، فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى أَتَيْنَا الرَّوْضَةَ، فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ، قَالَ: فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ، فَإِذَا فِيهِ: مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى نَاسٍ بِمَكَّةَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا حَاطِبُ، مَا هَذَا؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا تعجل عليَّ، إني كنتُ امرأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ –يَقُولُ: كُنْتُ حَلِيفًا- وَلَمْ أكن من أنفسها، وكان مَن معك من المُهاجرين مَن لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببتُ إذا فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عندهم يدًا يحمون قَرَابَتِي، وَلَمْ أَفْعَلْهُ ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي، وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ»، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى مَنْ شَهِدَ بَدْرًا فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سورة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ إلى قوله: فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [سورة الممتحنة:1].

إقرأ أيضا:من أسماء الله الحسنى “الرحيم”

من هو حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه

حَاطِب بن أبي بَلْتَعَة -واسم أبي بلتعة: عمرو- اللّخْمي المكّي، وكنيته أبو عبد اللَّه، وقيل: أبو محمّد، حليفُ بني أسد بن عَبْد العزى. من مشاهير المهاجرين، شهِد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وشهِد بيعة الرضوان، وكان فارسًا راميًا. 

أرسله رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بكتاب إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، فكلّمه المقوقس واستحسن كلامه، وقال له: “أنت حكيم جاء من عند حكيم”، وبعث معه بهدية لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأرسل معه من يوصله إلى مأمنه.

توفي بالمدينة سنة ثلاثين، وهو ابن خمس وستين أو سبعين سنة، وصلّى عليه عثمان بن عفان رضي الله عنه.

السابق
جمال التورية في اللغة العربية
التالي
سبب تسمية مدينة حلب السورية

اترك تعليقاً