قطار الحياة وماء الوجه

أستقل القطار يوميا، وأمر بمحطات كثيرة أتجاوزها برضى أو قسرا، ومرات أنزل بها لبعض الوقت حبا أو كرها، ولكني مهما توقفت أعود للركوب مجددا، ولا أبقى في محطة للأبد، فهذه محطة للنجاح وأخرى للإخفاق، وتلك للحزن وهاتيك لـلسعادة، وغيرها كثر وكلها مواقف مؤقتة، فلا شيء يدوم، وأحوال الناس تختلف كأحوال الطقس، ساعة إشراق وساعة غروب وبينهما أجواء متباينة، فكل أمر مهما عظم أو هان سيمر.

يمضي القطار بسرعة ويطوي المسافات طيا على سكة ممتدة لا أحد من البشر يعرف مداها، تحت سماء ملبدة، وريح عاصفة، أجبرتني على غلق نافذة القطار، والإكتفاء بالنظر من خلال الزجاج لأشهد كيف تتناثر أوراق الأشجار ملاعبة يد الهواء، وكيف ترتفع الأشياء للأعلى وتعاود السقوط من جديد، وبين علو ودنو تتأرجح المشاعر، وبين الرفعة والوضاعة تكون الخيارات، وبأمانة تكون النتيجة حتمية، فالنهايات دوما بالمقدمات.

أشعر بالوحشة داخل هذا القطار السريع فهو لا يعرف هدأة ولا يترك متسعا من الزمن أو المكان لمتاعي المتنوع، مشاغلي كثيرة ومشاريعي أكثر والوقت يسرقني، وبين الحيرة والرجاء يستقوي الصبر لتحقيق الأماني التي يستحيل أن تضيع سدى وعمادها التوحيد.

فلا العجز سيمنعني ولا اليأس سيجد فرجة للولوج إلى أعماقي بعدما سددت كل المنافذ بالصدق واليقين، وأخذت ميثاقا من عهد حصار شعب أبي طالب، ووعدا من زمن الفاتحين.

وها هو رق المطر ينزل برفق على وجنتي ويغسل دمعي، يقول بصوت حان:” ها أنا هنا إلى جنبك ..يستحيل أن أترك الدمع يسم نور وجهك البريء”.

خجلت من نفسي لكرم رق المطر ورأفته بحالي، كنت أرمقه يدق على زجاج النافذة، ولا آبه لتوسلاته بالدخول، وإن حاول وألح أمنعه، ولا أسمح له بالاقتراب مني خشية البلل، بيد أنه جاء ليواسيني، وأوضح أنه الأنيس الذي يقدم الإحسان من غير انتظار مقابل، وينشر الدفئ لعل الضمائر الباردة تنتشي وتعود من غربتها، أنه يحثني على رؤية ما حولي من جمال في الكون بنظرة واسعة، وسعة صدر وطيب خاطر، وغدوت هائمة بين الخواطر أسترجع الذكرى، فإذا بالشمس الساطعة تمد أشعتها على سطح الأرض المنبسطة، وتنعكس على وجنتي فلم يجف رق المطر وظل يتلألأ مزهوا مفتخرا بأنفة وإباء على كل سيماء وجهي.

وبعد تفكير طويل أدركت أنه ليس أبدا رق المطر من يزين سحنتي، فيستحيل أن ينفذ شيئ من زجاج نافذة مغلقة بإحكام مهما صغر، إذن لم يكن هذا سوى ماء الوجه الذي أحتفظ به منذ زمن، وأحذر أن يراق، وأسعى لأن لا أسيله فأفقده كما أساله الكثيرون ممن ضاقت عليهم الدنيا وتاهوا في دروبها، هكذا تعلمت منذ الصغر أن الثبات والصبر أقوى من كل مصاب، ومهما اشتد البلاء وكبر فالله وحده أكبر، وقد قرأت ذات مرة على قصاصة نصيحة لم أنسها يوما، وهي: “لا تقل يا رب لي هم كبير بل قل يا هم لي رب كبير”.

وعدت أبحث بين القصاصات التي أجمعها من هنا وهناك، وأقلب صفحات ذاكرتي وكل ورقة قرأتها وعبارات حكيمة نسختها من كل كتاب تقع عليه عيني واحفظها في مذكرتي الزرقاء الصغيرة، لأجد كل مرة ما يساعدني أن أتجاوز الصغائر والضغائن، وأميز البدع والمحدثات لأجتنبها، وأبحث عن حلول لكل مشكل أقع فيه، ومهما اختلفت الحلول تعود جميعها لمصدر واحد، كلمات قوية وصادقة، موحية تحثني على فعل الخيرات، تمد أنفاسي لمواصلة السير وتخطي الصعاب، وتدعمني بتهوين المصاب ولو كان جللا، بل تذلل أمامي كل متفاخر عربيد، إنها كلمات تجعل اللسان رطبا والقلب طاهرا نقيا والروح تقيا، لأرددها بثقة ” لا إله إلا الله” ، مصدر قوة كل مسلم صادق أمين، مبتدأ ومدى ومنتهى سكة قطار الحياة المستقيمة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: المحتوى محمي !!