كفاءة وفاعلية من غير ألقاب أو شهادات

لم يلج يوما باب مدرسة، رغم أن حلمه منذ الصغر كان الجلوس على مقعد في صف به تلامذة ومعلم، وبجد ومثابرة تعلم الكتابة والقراءة وصار مستواه أعلى من حاملي الشهادات العليا، فهو بحد ذاته مدرسة.

كان بينه وبين التعليم قصة حب أبدي أول فصولها الحرمان لكن آخرها إشراقة دائمة، فقد ولد في ظل الاستعمار الفرنسي الذي سعى لتخريب كل جميل ونشر رسالة الجهل لتجهيل الشعب الجزائري، وتحميله رهقا بالشقاء والاحتقار، قام بتدمير المدارس وحرق الكتب والتنكيل بالعلماء، ومصادرة أهم المخطوطات من أجل استئصال الهوية وإبادة الشخصية المسلمة القوية، ومحو الذاكرة الحضارية، وما فتحه من مراكز للتعليم كان لتثبيت قدمه وإعداد عملاء يقدسون الاحتلال وسيكتبون تاريخا مزيفا يمجد همجية فرنسا الصليبية ويكسيها ثوب التطور الحضاري والثقافي.

وكغيره من أقرانه لم يحظ بالتعليم في سنواته الأولى، وحمل الفأس عوض القلم، بعدما عرف اليتم، فعمل في سن مبكرة في حرث الأرض المغتصبة التي آمن أنها ملك أبيه عن جده وعليه استردادها، وما إن صار يميز بين الفأس والبندقية إلا وحملها وانطلق بها إلى جبال قريته، تلك الحصون المنيعة الشامخة،ورحل بعدها إلى الحدود الجزائرية التونسية وأقام مرابطا على الثغور، أين أمضى سنينا وهو يقاتل الأعداء على يقين أنه جهاد مقدس ضد غاز صليبي.

لكن حلم التعليم ظل يراوده وجاء من يحققه له، بعدما التحق بجيش التحرير عنصر جديد وانضم إلى كتيبته، كان الوافد رساما بارعا متمكنا من اللغة العربية وآدابها، فعلمه الحروف وعمره تسعة عشر عاما، وبنباهة أجاد تهجئة الكلمات فالجمل، وصار يقرأ باسترسال حتى غدا يرتل آيات القرآن الكريم من المصحف، وأبحر في شتى العلوم، الفيزياء الرياضيات، علم الأنساب، التاريخ والجغرافيا، بل أكثر من ذلك تعلم حروف اللغة الفرنسية وصار يهجئ كلماتها، بحكم أنه يفهمها نظرا لاحتكاكه بالفرنسيين الغزاة في صغره.

بعد استقلال الجزائر، عمل الشاب في المستشفى وتم تكليفه بمخزن الأدوية لأنه يحسن القراءة، لكن طموحه ما كان ليتوقف في وظيفة حكومية بالكاد توفر قوت عائلته التي يزداد عدد أفرادها على مر السنين.

أخذ يفكر في طريق النجاح، فصار يشتغل بعد الدوام الرسمي بوظيفة ثانية في محل للتصوير، لكن ذلك لم يكن ليحد من سعيه، فاهتدى لسوق العقارات، حيث وجد فيه مجال استثمار هام، رغم أنه لم يكن يملك رأس مال كبير، والعقبات كثيرة، لكنه اشترى شقة صغيرة بعدما جمع بعض المال واستدان من أحد معارفه، ثم أجر الشقة ليسدد الدين، وهكذا صار يجمع الإيجار ويدخر بعض الراتب، وفي غضون سنتين اشترى بيتا آخر، وبعدها اثنان وثلاثة حتى تعدى رقم عشرين.

انطلق من العدم ليكوّن ثروة، لكن ما هذا الذي شد انتباهي إليه، إنما تمكنه وكفاءته العالية، ما من موضوع أحدثه فيه إلا وأجده ملما به، حتى محاور التخصصات الأكاديمية  التقنية والعلمية والأدبية يحللها بدقة، فضلا عن نباهته وذكائه في معالجة الأمور واقتراح حلول لمشاكل معقدة، فمن طلب منه المشورة سيجد رأيا سديدا وتوجيها حكيما، لكنه لم ينل الاهتمام الذي يستحقه، وجد نفسه معزولا في عالم يهتم بالألقاب والشهادات والمظاهر اللامعة، كان التعامل معه بسطحية وأطر.

أما عن المقربين منه فبعضهم يرى فيه شدة وغلظة، قد يعاب عليه ذلك بعض الشيء لكن الظروف التي مر بها و ما عاشه كان كفيلا بجعله قاسيا ودائما ما كان يقول:” رغم أن البتر مؤلم إلا أنه علاج شاف، يجب التصرف بحزم فالتراخي قد يسبب الكوارث”.

كثيرا ما افتقد الإحساس بالأمان، وهذا باعث عيشه حياة صعبة ولو قاسمه فيها من حوله بعناء، إلا أنه امتلك روحا شفافة احتاجت للدعم والأنس ولو لم يجهر بذلك، حتى في أيامه الأخيرة أسر لي أن طبعه القاسي جعله صعب المراس، وما نقمة البعض عليه سوى نتيجة حدته.

لم أجد لحظتها ما أفعله، لكن الكلمات انطلقت لتواسيه وتؤنس خلوة نفسه وعرضت عليه أفكاره الجميلة وما تعلمته منه في الخمسة عشر سنة التي عرفتها فيه، مدة نهلت فيها تجربة ثمانين سنة من الخبرة والتمحيص، تمرست على يديه فن التعامل مع المتفاخرين المستعلين بلغتهم الفوقية رغم عيوبهم المكشوفة فهم مجرد سنابل فارغة، روى لي قصصا لمواقف تعرض لها وكيف نجا منها.

أكد لي أن ‏الشهادة العلمية ضرورية وتثمينها يكون في الميدان، فالعلم والمعرفة، رصيد فكري محجوز يحتاج لمصرف عملي يعود بالفائدة والنفع على الفرد ومجتمعه.

كنت أسر كل مرة ألتقيه ويقدمني لمن حوله مفتخرا بي، شعور الغبطة يأسرني عندما يقول هذه ابنتي التي عوضني الله بها، ويثني على والدي -رحمة الله عليه- بل مرة قال لي :” إني أحسد والدك لأنك ابنته، أحسده لما تتحدثين عنه، وتذكرينه دوما بخير”، فأقسمت أن أتحدث عنه هو أيضا وأقول عنه كل خير في كل مجلس يذكر فيه، من غير مداهنة، ولو تعرضت لموقف صعب أو إساءة فذلك هين، ويا للخسارة والحسرة على من كان أمامه ولم يتعرف على نبل روحه وطهرها، ولم يدرك الأفضلية التي حظي بها وضيعها، وضيع معها بصيرة المكاسب الأخلاقية وأهم من ذلك ثواب بر وإحسان لحساب امتيازات دنيوية فانية.

 وجاءت جائحة كورونا لتغير كل الحسابات، وبحكمة المتوسم قال:” ثمانون سنة يا ابنتي مرت ..مرت كأنها حلم، يا الله ما أقصر حياة الإنسان، لقد جاءت كورونا وحان وقت الرحيل”، لم أنتبه لكلامه لحظتها لأنه كان سليما معافا، ودعته على أمل اللقاء، وكان اللقاء لكنه من نوع آخر، وجدته سقيما لا يع ولا يعقل وما هي إلا لحظات حتى نقل للمستشفى، بقيت معه أنتظر والجميع يعلم حال المستشفيات العامة حالة ضغط كبير وانعدام الثقة والهلع الزائد جراء الوباء، كان غائبا عن الوعي وأنا أحدثه باستمرار، فلا يرد ولما استيقظ أشار بيده وقال:” ها قد جاء”، سألته:” من؟” رد:” جاء أبي”، عندها عرفت أن الرحيل الأخير قد حان وآن أن نفترق، عدنا إلى بيته وحضر كل معارفه لتوديعه، وتدهورت حالته أكثر، ولم يتطلب الأمر الكثير من الوقت، فولوج المستشفى العسكري كان ليلة الجمعة ليضم إلى قسم الكوفيد المشمع عليه بالأحمر، فلا يمكن الاقتراب أو الرؤية ولو من خلف عازل زجاجي، ورغم المحاولات الكثيرة ولو بنظرة أخيرة كان ذلك مستحيلا، فالقوانين صارمة هناك، وفي صبيحة يوم الأربعاء رن الهاتف باكرا ولم يكن إحساسا فقط بل خبرا مؤكدا لقد انتقل مريضكم إلى جوار ربه ليلا –رحمة الله عليه-.

لقد رحل وحيدا في جنح الظلام ولم يكن أحد بجواره، رغم كثرة أبنائه وأحبابه أسلم الروح وحيدا بلا أنيس، كم تمنيت وحاولت أن أكون بقربه، وأشهد رفعه للسبابة ونطقه للشهادة، وأرى ابتسامته التي كنت دائما أراها، وأسمع آخر وصاياه الحكيمة التي كانت تفيدني في مواجهة مصاعب الحياة، سعيي الحثيث في التواجد جنبه لم يفلح.. إنها الحكمة الإلهية التي لا اعتراض عليها.

كان الآتي التالي مخاضا عسيرا، تستخرج الوثائق في سباق مع الزمن، وتنقل الجثة إلى مقبرة العالية وسط حراسة أمنية مشددة، ويوارى في صندوق مغلق وفي مربع خاص بموتى الكوفيد، من غير تشييع ولا عزاء وبحضور محدود، لكن ابنه أبى إلا أن يقيم عليه صلاة الجنازة، ليشعر الجميع بالصدمة، فلا مجال فسح لهم للتوديع أو إلقاء ولا حتى إمكانية الحزن بسلام.

بكيت عليه بحرقة لا لأنه رحل، فقد انتقل للرفيق الأعلى، إنما حزنت لأنني لم أكن قربه، ولم أسمع آخر وصاياه وهو الذي كان يمني نفسه أن يروي خاتمة النهاية لقصته، وفي كل مرة يرجئ ما يريد قوله قبل الرحيل للقاء آخر، ولكن بقي أجر الاحتساب وأن يكون موته شهادة كما وعد الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام لمن مات في الوباء.

في كل مرة يزودني بمعلومة جديدة أو قصة إلا ويجدها في موضوع منشور، فيسر لذلك، ويغتبط لأني استثمر ما أتعلمه منه، وأردت أن أشكره على ذلك بالكتابة عنه، لكنه رحل، غير أني لن أنساه من صالح الدعاء، ويشهد الله أني أذكره وأدعو له كذكري لأبي.

كنت أود أن أكتب عنه وهو حي يرزق ليقرأ ذلك، وأسرد تجربة رجل عصامي ناجح، ومن جهته كان ينتظر المقال بفارغ الصبر، أردت فقط أن أقول لكل من عرفه أن الدنيا ليست فقط ماديات ومنح أموال، فقد يكون الشخص معطاءً ببذل العلم والمعرفة، بالدعم والتشجيع، بالنصح والتوجيه، بالإخلاص وصلة الرحم الطيبة، بشهادة حق أن صاحب اللقب الثوري السي أحمد كفاءة حقيقية حققت الكثير باقتدار وسيظل كالنهر الجاري حيثما مر ترك الحياة، أسأل الله أن يحيي ذكره ويكرم مثواه.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: المحتوى محمي !!