اكتشف العالم حولك

كهوف الطاسيلي ..قصة فجر الحضارة وميثولوجيا ما قبل التاريخ

كهوف الطاسيلي ..قصة فجر الحضارة وميثولوجيا ما قبل التاريخ 1

تقديم

بين الصخور المترامية في مساحات شاسعة وعلى حبات الرمال اللامتناهية تسكن أسرار تاريخ قديم جدا لم يتم الكشف عن تفاصيله الدقيقة لحد الساعة، وما يحيط به يبقى مجرد فرضيات وتخمينات يمكن أن تغيرها حقائق خفية مازالت تنتظر من يميط عنها اللثام، ولو أن رجال الطوارق الملثمين وهم السكان المحليين للمنطقة يحلون بعض الألغاز الصعبة والبوح بها يؤكد تزييف التاريخ الذي يجب أن يصحح.

فأغلب الدراسات التاريخية الفرنسية لتاريخ الجزائر تسعى لتبرير الاحتلال العسكري وتصوره على أنه سد للفراغ الحضاري ونفض للغبار عن أطلال الغزو المتعاقب من رومان ووندال وبزنطيين وحتى الإنسان الأول بالسطو على براءة إكتشاف كنز الطاسيلي المحلي.

ماهية الطاسيلي

الطاسيلي ناجر ومعناها بالطارقية “هضبة الثور” هي عبارة عن سلسله جبلية بركانية تقع في قلب الصحراء بالجنوب الشرقي من الجزائر بإليزي و تبعد عن العاصمة بحوالي 2000 كيلو متر، ترتفع عن مستوى سطح البحر بأكثر من 2000متر و يتراوح عرضها ما بين 50إلى 60 كيلو متر ، و يبلغ طولها أكثر من 800 كيلو متر، أما إجمالي مساحتها فيقدر بـ 72,000 كـم2 .

في عام 1972 صنف الموقع كإرث تاريخي وطني وفي عام 1982 ضمته اليونيسكو إلى قائمة التراث العالمي و في 1986 أدرج كمحمية الإنسان و البيوسفير حيوانات نادرة في طريق الإنقراض.

إقرأ أيضا:أسطورة “دار لمعكرة” وصنائع المعروف

يشكل الموقع أكبر متحف في الهواء الطلق حيث تتكون كهوف الطاسيلي من تشكيلات صخرية بركانية ورملية تسمى الغابات الحجرية وكذا لوحات فنية لحجارة متراصة بفعل العوامل الطبيعية توحي وكأنه تم بناؤها لتشكل صروحا متعالية، تتخللها رسومات وحفريات متنوعة تعبر عن حقبات زمنية متباينة، ولكنها تجمع على أن من قاموا برسمها أو نحتها ليسوا كما يشاع على أنهم أناس بدائيون فما أبدعوه لن يكون إلا نتاج قدرات هائلة لعقول ذكية ونباهة حادة وفكر متميز ورثه بعدهم أهل المنطقة ومن بينهم رجل الطوارق ” جبرين أق محمد” السباق إلى زيارة مغاور هذه الكهوف التاريخية الغريبة وكشف أسرارها.

كهوف الطاسيلي ..قصة فجر الحضارة وميثولوجيا ما قبل التاريخ 3
حجارة متراصة طبيعيا

من هو مكتشف رسوم الطاسيلي؟                             

ما تركته أياد فنية من دلائل شاهدة على تطور الحياة والبناء الحضاري الذي ميَّز المنطقة في الزمن الغابر جذب اهتمام الفرنسيين بعدما أطلعهم عليه جبرين فمن هو هذا الرجل؟

يقول الكاتب موسى مشار :

ولد جبرين أق محمد أق مشار أق بوبكر سنة 1890 في منطقة تامغيت بقلب الطاسيلي من قبيلة كيل مداك التي استوطنت أرض الطاسيلي مند آلاف السنين، ومثل غيره من الأطفال الرحل بدأ طفولته برعي الجديان مبكرا وذلك موازاة مع تعلمه قراءة وكتابة حروف التفيناغ وسيلة التواصل الوحيدة بالوسط ومعرفته.

إقرأ أيضا:آيسلندا الجزيرة النابضة بالحياة بين تناقضات الطبيعة

لما وصل جبرين سن البلوغ وضع اللثام أول مرة في مناسبة خاصة ليلازمه مدى الحياة، وشارك في معركة أسكاو سنة 1917 بقيادة الحاج موسى أغ أمستان لمقاومة الاحتلال الفرنسي.

بعد تمكن الجيش الفرنسي من غزو منطقة الطاسيلي سنة 1920 انتبه بعض الضباط الفرنسيين لما يتميز به جبرين أق محمد من معرفة واسعة للمنطقة وتراثها فاستعملوه في الاستكشافات الجغرافية والتاريخية وأصبح الدليل الرسمي لكل مهمات البعثات العلمية في الطاسيلي .

في عام 1924 م تزوج جبرين أق محمد من أيوب مامة بنت أغالي وتمرت بنت حاميد , بمنطقة تمغيت.

 وفي سنة 1930 قام جبرين بشد الرحال إلى مناطق عدة منها : – تمغيت، إن إتيـــــــــــــن، إتغس نالياس، سفار، تين تزريفت، تين أبتيكة , تين التوهامي , تين كني , إجاباران وقد دامت الرحلة شهرين على كل هده المناطق التي فيها رسومات ونقوشات صخرية , ومغـــــــــارات أثرية التي اكتشفها جبرين أق محمد .

وفي سنة 1932 إكتشف جبرين أق محمد منطقة تادرارت وضواحيها لما تتميز به من رسومات ونقوشات صخرية، وأولى المهمات التي قام بها هي تلك التي رافق فيها المنقب برنان BERNAN سنة 1933 حينما دله على منطقة “تين كني” أين عثر على البقايا الاثرية والرسومات والنقوش الصخرية التي يعود تاريخها إلى عصور ماقبل التاريخ.

إقرأ أيضا:الأخوان بربروسا عمالقة البحرية الإسلامية.

إضطلع هنري لوط ” H. LHOTE ” على بيانات برنان “BERNAN” عام 1935 فطلب من جبرين أق محمد مرافقته في رحلة إستكشافية مطولة مسح خلالها منطقة واسعة شملت هضبة الطاسيلي ومنطقة تادرارت قبل أن يعود إلى مدينة جانت.

كما شارك جبرين أق محمد في عدة مهمات لرسم الخرائط العسكرية منها مهمة تادرارت وأميوك عام ،1937 كما قاد فريقا من المهندسين لترسيم الطريق وتحديد المسالك ووضعها على خرائط المنطقة. ما بين سنتي 1949 و1952م أصبح الدليل الرسمي لجامعة الجزائر التي حققت تقدما في ميادين شتى كالجغرافيا والجيولوجيا وعلم المناخ وعلم النبات والحيوانات، وعين في توجيه البعثات العلمية لما له من علم غزير وخبره وكفاءة، ترقى به من موقع الدليل إلى منصب الزعامة.

 ومن عام 1956 إلى عام 1969 شارك جبرين أق محمد في بعثات أخرى حيث رافق  لوط هنري إلى عدة مناطق منها صفا، تمغيت، إجابران، تيسوكاي وهضبة تاجلاهين.

 وغدا جبرين أق محمد يشارك دوريا في بقية الإستكشافات الطاسيلية والتراثية . 

في عام 1978 ثم تعيينه وصيا في مخيم تامريت TAMRIT للسياح لشركة النفط الجزائرية “ســــــــــــــــــــــونطراك”، وفي سنة 1979 غادر جبرين أق محمد منطقة تامريت وبقي في مدينة جانت حتى آخر أيــــــامه. 

توفي جبرين أق محمد –رحمة الله عليه- المكتشف الأصلي لكنوز الطاسيلي الثراثية يوم 22 فيفري 1981 عن عمر يناهز التسعين سنة بين ذويه بحي إن ابربر بمدينة جانت عاصمة الطاسيلي .

 رحل الدليل المشهور والمليء حيوية بعدما صادق الشعاب والمغارات الأثرية التي لم تخف عنه سرا، حيث اكتشف الخفايا بما تحمله من النقوش الصخرية ليضل جبرين منقوشا في ذاكرة السكان، وعاد التاريخ لينصفه من جديد.

المغالطة التاريخية موجودة في الكتاب المصور عن كهوف الطاسيلي الذي نشره هنري لوط سنة 1965م حيث نسب الاكتشاف لنفسه متجاهلا تماما وجود جبرين أق محمد، وبعد ضغوطات رسمية أقر لاحقا بمشاركته في مهمة البحث ولكنه لم يعترف أنه المكتشف الحقيقي الذي عرف خبايا الكهوف وألف مداخلها ومخارجها منذ الصغر.

أسرار كهوف الطاسيلي

إن تحديد العلماء لعمر ﺍﻟﺮﺳﻮﻣﺎﺕ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩﺓ ﻓﻲ ﻛﻬﻮﻑ ﺍﻟﻄﺎﺳﻴﻠﻲ مازال محل اختلاف، ﻓهناك من ينسبها إلى ﺣﻮﺍﻟﻲ 5000 ﻕ.م.

باستخدام وسائل علمية متطورة مثل التحليل الذري قدر عمر الرسوم والنقوش بأكثر من عشرين ألف سنة، في حين يرجح البعض أن وجودها ﻳﺘﺠﺎﻭﺯ 30 أﻟﻒ ﺳﻨﺔ، ﻭمازالت ﺍلأبحاث قائمة لحد الساعة لمعرفة تاريخ وجودها الحقيقي فضلا عن إيجاد تفسيرات للنقوش والرسوم التي يضل أغلبها مبهما.

المراحل التاريخية

حسب الخبراء والدراسات التي أجريت في الطاسيلي تم تقسيم تاريخ المنطقة إلى:

الحقبة البابلسية (مرحلة الصيد البري ما سبق 5000 ق.م)


تمثل أغلب الرسوم الموافقة لهذه الفترة أشكالا للحيوانات المتوحشة الضخمة مثل البقر الوحشي والفيلة، والزرافات التي يظهر أن الإنسان عمل على تربيتها وجعلها حيوانات مستأنسة.

أما عن تصوير البشر فكان مقتصرا على إبراز مظاهر الصيد والمواجهة بتجسيد رجال مسلحين بالرماح والأقواس، الفؤوس أو حاملين للعصي، وأهم النماذج المعبرة عن هذه الحقبة موجودة في نقوشات وادي دجيرات في طاسيلي الناجر.


الحقبة البوفيدية (رعاة القطعان) 4500 إلى 2500 قبل الميلاد


توافق هذه الحقبة وصول القطعان إلى شمال أفريقيا ما بين 4500 و4000 ق.م، كما هناك تمثيل نشاط السكان بعض المشاهد حيث يظهر أشخاص منهمكون في قضاء أعمالهم اليومية بينما تجسد نماذج أخرى قطعان الحيوانات والماشية بصحبة الرعاة.

وقد تم استعمال اللون الصلصالي الأحمر والصباغ في هذه الرسومات التعبيرية مما زاد من جمالية اللوحات ووضوحها فضلا عن ديمومتها.

كهوف الطاسيلي ..قصة فجر الحضارة وميثولوجيا ما قبل التاريخ 8
رسوم تمثل السكان

حقبة الخيول (حوالي 1200 ق.م)

تجسد الرسومات من هذه الحقبة بشرا مسلحين بأسلحة صغيرة وعربات تجرها الخيول.

ويعتقد أن الحصان كان قد بدأ استخدامه في الصحراء حوال 1200 ق.م، كما تعتبر جودة هذه الرسومات هزيلة بالمقارنة مع الحقبة السابقة حيث تبدو أشكال البشر أقل حجما وتتخذ شكل ساعات رملية.

حقبة الجمال (1200 ميلادية):

نظرا لتغير الظروف المناخية والتحول البيئي للمنطقة وتحولها إلى أرض قاحلة تم الإستعانة بسفينة الصحراء “الجمل” الذي يتأقلم مع المستجدات البيئية وصعوبة العيش بها، وقد ظهر هذا التحول في فن الرسم على الصخور الذي عكس الواقع المعيش.

كهوف الطاسيلي ..قصة فجر الحضارة وميثولوجيا ما قبل التاريخ 9
تربية الجمال

الصحراء الخصبة

كانت الصحراء الكبرى جنة على الأرض تتدفق بالحياة وتغمرها المياه ورغم الجفاف الذي حل بها إلا أن كميات هائلة من الماء بقيت في الجوف أو في القلات المتناثرة في وسط الصحراء الكبرى مثل قلتة أفيلال التي مازالت لليوم مصدرا مائيا هاما محاطا بأرض خصبة يتنوع غطاؤها النباتي والبيولوجي حيث تعيش مختلف أنواع الحيوانات البرية، البحرية والبرمائية، مما ساعد الإنسان على العيش باعتماده على الصيد وتربية الحيوانات مثله مثل أجداده الأوائل.

كهوف الطاسيلي ..قصة فجر الحضارة وميثولوجيا ما قبل التاريخ 10
نقش تمساح دليل على وجود البحيرات بالصحراء

طريقة عيش السكان الأصليين

اعتمد القدامى في توفير قوتهم على الحيوانات ولزموا حسن التدبير، فكانوا يقومون بحبس صغار الماعز داخل مجسمات بها فراغات تسمح بدخول الهواء تمنعهم من استهلاك كميات كبيرة من حليب الماعز ولا يسمحون له بالرضاع إلا بقدر معين، حتى يتسنى لهم استغلالها لتكون جزءا من غذائهم اليومي

كما اهتم السكان بتخزين القمح وحفظه داخل أبنية محكمة لحجارة متراصة ومن غير فراغات تشبه الأبار لا تصل إشعة الشمس أو رطوبة الجو حتى يبقى صالحا لأطول فترة ممكنة واستخراجه عند الحاجة إليه.

طاسيلي
أبنية لحبس الجديان الصغيرة وتخزين القمح

المدافن وطريقة توضيب القبور

أما عن المعتقدات السائدة لما بعد الموت فهي مدهشة، إذ أن القدامي كانوا يضعون جثة الميت في وضعية الجنين حيث تجمع أطرافه الأربعة ويلف داخل جلد حيوان أليف مثل جلد المعز كأنه داخل الرحم، وهذا لأن تفكيرهم يشبه الموت بالرجوع لمرحلة ما قبل الميلاد، فمثلما كان وضع خروجه للدنيا سيكون رحيله عنها.

وبعدها يوضع الميت داخل حفرة وينصب عليها شاهدين، ويحاط القبر بحجارة كفوهة بركان تجمع بها ممتلكات الميت مثل المجوهرات والأموال لترافقه إلى العالم الآخر ظنا منهم أنهم سيحتاجها.

هناك عدة أنواع للقبور منها المسطحة والدائرية، ومنها ما يرص عليها أكوام من الحجارة ويكون ارتفاعها حسب مقام الشخصية فكلما كانت مهمة زاد العلو واتساع الرقعة وقد تصل إلى 3 كم حسب طبقة الفرد الإجتماعية.

بين التحليلات والفرضيات

برزت عدة تفسيرات وفرضيات عن رسوم الطاسيلي وأغلبها يظل مجانبا تماما للصواب، بل اعتمدت بعض التحليلات على أراء ساذجة منها:

1- وجود مخلوقات فضائية أو مسافرين عبر الزمن وهذا بسبب بعض الرسوم، ولكن المنطقي أكثر أن تلك الرسوم لمخلوقات أو كائنات حية مثلها مثل الحيوانات التي انقرضت، أو أنها مجرد أزياء صنعها السكان المحليون من أجل طقوس معينة أو لتمييز الأشخاص حسب مناصبهم أو درجاتهم في السلم الإجتماعي.

أما فيما يخص المركبات فمن المرجح أنها من صنع البشر مثلها مثل الطائرات اليوم، فلعل تكنولوجيا الزمن الغابر كانت أكثر تطورا من الزمن الحالي وتسبب طوفان عصر سيدنا نوح عليه السلام في تدمير كل هذه الشبكة المتطورة.

2- فرضية مدينة أطلانتس المفقودة التي تعود لرواية كتبها الفيلسوف أفلاطون، والغريب أنه في كل مرة تظهر هذه الفكرة حتى في الرسوم المتحركة والأفلام ومن أمريكا إلى الصين إلى الربع الخالي ومصر تتجول مزاعم كيانها، وكأن هذه المدينة كانت متنقلة وجابت أصقاع الأرض إن وجدت أصلا.

3- التفسير المعقول أشار البعض إلى أن المنطقة نشأت فيها حضارة عريقة وتمتع سكانها بذكاء حاد وتطور صناعي كما أنهم يملكون حسا إبداعيا راقيا.

المعتقد الصحيح في آثار الطاسيلي

ما لا يخالف الواقع والمعتقد السليم هو أن سكان منطقة الطاسيلي أناس متحضرون على قدر من العلم، فقد خلق الله تعالى أول إنسان وهو آدم عليه السلام واختصه بالعلم إذ علمه أسماء كلّ شيء، إذن ما توارثته الأجيال لم يأت من فراغ.

وهذا ما قاله المفسرون للقرآن الكريم، فلو أعيدت البشرية إلى أصلها لابد أن تصل إلى أن الإنسان الأول الذي أوجده الخالق سبحانه وكان متفوقا واعيا وذكيا، ولو أعيد العلم إلى أصله، وكل علم يحتاج إلى معلم، فمن الذي علم المعلم الأول؟

أليس من البديهي أن العلم بدأ بمعلم علمه الله سبحانه وتعالى، إذن فالذي علم آدم هو الله، وهو علم أولاده، وأولاده علموا أولادهم وهكذا.

كما أن الله لم يخلق أي شيء عبثا، فكل كائن صغير أو كبير في هذا الكون مخلوق بقدر وحكمة بالغة حتى لو جهلها البشر، والحمد لله المبدع المصور الذي جعل أرض الطاسيلي الطيبة أرض توحيد آهلة بأناس يعبدونه حق عبادته ولا يشركون به أحدا.

السابق
لم أتوقع هذه الأزمة، لكنني كنت أعرفها نظريا-كوفيد-19
التالي
البيئة اللغوية للطفل المغربي : دراسة سوسيو لسانية.