كوريا الشمالية الأفريقية

كوريا الشمالية الأفريقية

سألني طالب بالكلية عن مدى صدقية توصيف بوركينا فاسو بكوريا الشمالية بعد أن كان قد قرأ موضوعا على الأنترنت يخوض في مثل هذا التشبيه بين بلدين يجمعهما الفقر والتخلف، ويتماثلان في زعامة شابة طموحة ومتمردة. فطراوري بوركينا فاسو يشبه في كثير من المناحي كيم كوريا الشمالية.

قلت للطالب السائل: هل تتذكر ما قاله الرئيس الأمريكي جو بايدن خلال زيارته التضامنية مع إسرائيل غداة طوفان الأقصى في 07 أكتوبر 2023؟. لقد قال: لو لم تكن إسرائيل موجودة لأوجدناها…!

وأردفتُ قائلا: لو أن السياسة تدار بالتراشق بالكلمات لرد عليه الرئيس الروسي بوتين بالقول: ومن جهتنا نحن الروس لو لم تكن كوريا الشمالية موجودة لأوجدناها..!؟

لكن يبدو أن الدب الروسي يفعل أكثر مما يتكلم. إذ لم يكتف كما فعل أسلافه بإيجاد كوريا الشمالية، بل عمل على تقوية شوكتها النووية. وفوق هذا تراه على ما يبدو شرع في إيجاد نماذج مماثلة لها خارج القارة الأسيوية.

واسترسلت في الشرح للطالب قائلا: ما هو متعارف عليه أن الدول الكبرى لا تبيع سلاحها للدول غير المستقرة سياسيا أو الدول الناشئة، فما بالك بالتكنولوجيا النووية.

إلا أن بوتين قرر كسر هذه القاعدة وشرع في منح التكنولوجيا النووية لمن يطلبها، بداية بكوريا الشمالية، مرورا بإيران وانتهاء ببوركينا فاسو والقائمة على ما يبدو مفتوحة طالما تغضب الغرب.

إن قرار بوتين دعم حاكم بوركينا فاسو الشاب بمفاعل نووي وهو الذي لم يمض على حكمه أزيد من عام تخللته محاولتا انقلاب، لهو أمر يدعو للغرابة. كونه زبون مفترض أن يكون غير موثوق فيه. وعهدته الانتقالية إن التزم بها تنتهي بعد أشهر قليلة في جويلية 2024 لتفسح المجال لانتخابات تعيد للبلد شرعيته الدستورية، لكن بوتين قرر المضي قدما في تجسيد هكذا صفقات لأسباب:

أولها: أن النادي النووي الحالي في أغلبيته يضم أعضاء هم من حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، وبوتين يريد كسر هذه القاعدة. إذ من بين الدول التسعة المكونة للنادي النووي العالمي، خمسة منها هي أقرب للولايات المتحدة منها إلى روسيا..

وهي: بريطانيا، فرنسا، إسرائيل، مضافا إليها الهند وباكستان. وإذا اعتبرنا الصين على مسافة متساوية بين الطرفين، فإنه لم يبق لروسيا سوى حليف واحد هو كوريا الشمالية، وهو ما يريد الروس استنساخه وتفريخه.

ثانيها: أن بوتين الذي لا يمكنه مقارعة الولايات المتحدة في كثير من المناحي وجد ضالته في فعل كل ما يغيظ أمريكا وحلفاءها. وأكثر ما يغيظهم في هذا الزمان هو استنساخ نموذج كوريا الشمالية لكسر أحلاف الولايات المتحدة.

فكوريا الشمالية تشكل اليوم تهديدا جديا لحلف جنوب شرق آسيا والذي يضم الولايات المتحدة و10 دول في منظمة آسيان للدفاع المشترك، والتي يمكن أن يضاف إليها اليوم كوريا الجنوبية واليابان وتايوان وأستراليا. بل إن التهديد الكوري الشمالي لهذا الحلف أكبر من التهديد الذي تشكله الصين وهي القوة العظمى.

كما أن دعم روسيا للبرنامج النووي الإيراني يكسر التحالف الأمريكي الشرق أوسطي ويقف حجر عثرة في وجه خريطة الشرق الأوسط الكبير التي رسمتها أمريكا، والتي تبدأ من باكستان وتنتهي بالمغرب الأقصى؛ وتقوم على فكرة أن الحدود السياسية المتوارثة عن الاستعمار لم تعد صالحة. والمنطقة صار لزاما عليها إعادة التشكيل.

لكن روسيا أفسدت الخطة حين غرست إيران شوكة في حلق المشروع الأمريكي بدعم برنامجها النووي. ثم لاحقا استقطبت ثلاثة دول محورية وبزعامات جديدة هي الإمارات العربية المتحدة والسعودية ومصر، وإن كانت هذه الدول لا زالت تمد يدا نحو أمريكا وأخرى نحو روسيا وهذا في حد ذاته أمر لافت، طالما كانت هذه الدول حليفة تقليدية للولايات المتحدة. لكن الأكثر لفت للأنظار هو استقطاب الدول الثلاثة دفعة واحدة عام 2023 لعضوية منظمة البريكس.

واليوم يأتي البرنامج النووي البوركينابي حال تجسيده ليكسر الهيمنة الغربية على إفريقيا، ويقرب هذه القارة أكثر نحو القطب الروسي ومجاله الحيوي. ولا أستغرب إن رأيت مستقبلا مفاعلات نووية روسية تظهر في ربوع القارة السمراء.

إذ لا أظن أن تتفرج الدول الإفريقية الوازنة على دويلة من أدغال إفريقيا تمتلك المفاعل النووي وهي لا تمتلكه. كما لا أستغرب أيضا أن تحدو دول أمريكا الجنوبية الموالية لروسيا مستقبلا لطلب مفاعلات نووية روسية.

كل البرامج النووية تنطلق بالادعاء أنها سلمية. لكن جلها ينتهي بالسعي نحو عسكرة البرنامج. وما من دولة لها برنامج نووي إلا وسعت في النهاية إلى امتلاك القنبلة النووية مثلما فعلت إسرائيل وفعلت كوريا الشمالية.

قلت للطالب الذي سألني: إن استمرت حروب المجال الحيوي على هذه الشاكلة فقد تباع القنابل النووية مستقبلا في الأسواق من كثرة منتجيها.

وحتى ساسة إيران الذي يصرون علنا على سلمية برنامجهم النووي يتحدثون في دوائرهم السياسية المغلقة بالقول: كيف لإيران الأمة التاريخية العريقة ألا تمتلك السلاح النووي وهي محاطة من كل جانب بالأسلحة النووية من الهند إلى باكستان فروسيا. حتى إسرائيل الدولة اللقيطة لها سلاحها النووي..!؟

قلت للطالب الذي سألني: إن استمرت حروب المجال الحيوي على هذه الشاكلة فقد تباع القنابل النووية مستقبلا في الأسواق من كثرة منتجيها.

لكني أخاف أن هذا الصراع بين الأقطاب الثلاثة: الولايات المتحدة، روسيا والصين حين يبلغ مداه ويصل العالم إلى حافة الانفجار يلجأ هؤلاء إلى مؤتمر شبيه بمؤتمر يالطا عقب الحرب العالمية الثانية الذي بموجبه اقتسم كبار العالم (الأمريكان والروس والإنجليز) الكعكة الألمانية.

وإن حدث مثل هذا المؤتمر لاقتسام كعكة القرن الواحد والعشرين فلا أستبعد أن يحصل اتفاق بين الكبار الحاليين (الأمريكان والروس والصينيين). فلكل واحد منهم مصلحة أو قل مطلب عند الآخر.

وقتها قد يحدث اتفاق يقضي بإطلاق يد روسيا في أوكرانيا، وهي التي لها حق تاريخي فيها باعتبار أن كييف كانت يوما عاصمة للروس. وفي مقابل ذلك يتم إطلاق يد الصين في تايوان وهي الأخرى لها حق تاريخي فيها باعتبارها جزء من الوطن الأم. ومقابل هذا وذاك تطلق يد أمريكا في فلسطين لتمكين ربيبتها إسرائيل من تصفية قضية العرب الأولى والتي لا حق تاريخي لهم فيها.

يومها نكون نحن العرب أكبر الخاسرين..!؟

318 مشاهدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *