كيف أنساك يا أبي؟

 كذب من قال أننا نسيناك يا أبي!.. فإننا والله ما سهونا عن ذكرك في كل سجود، وما قَرَنا اسمك إلا بصالح عمل، وما وددنا أن يعلم أحد بصلتنا بك عند أي سقطة أو دنو نفس، وما رفعنا راية التسامي والفضائل إلا وتوقيعك مثمن عليها.

كيف يمكن نسيان من يسكن بين جوانب النفس بسكينة ويسري في عروق الروح بدفئ، إنها علاقة قوية لا يمكن انهاؤها ولو بالموت، صلة أعمق من ألم الفراق وأطول من طريق الرحيل، مودة بريئة وبر عظيم يستحيل أن ينقطع.

من غير مكابرة رحيلك الأخير صعب مرير يا أبتي لكن عون الله هو حسن العزاء، قد حزنت لبعدك لكني سعدت أنك انتقلت إلى جوار أرحم الراحمين، خرجت من ضيق الدنيا إلى رحاب الرفيق الأعلى وتلك حقيقة تواسيني أحب ذكرها طول الوقت.

وصلك مستمر بالدعاء وطيب الذكر وبقاء الذكرى، وفي كل مرة يحاول أحدهم تقديم الشكر لي أطلب منه من غير مهل ولا خجل أن يخصك بالدعاء الصادق، فلا ثناء أرجوه لنفسي من دونك، لئلا يجد النسيان موضعا يطؤه في ذاكرتي اتجاهك.

لن يفتر عزمي في إيداع برك في مواطن عدة ولو مرت فترة من الزمن على وداعك، سأظل أصحبك في طريق الربوة الحمراء بشقاوة بين المشي والهرولة، وأقاسمك محال السوق بالقفز ولمس الأشياء اللماعة، وأجالسك أمام عتبة بيت عمي الحاج العربي -يرحمه الله- بالسمر والمرح، أعيش معك الأحداث نفسها لأسترجع تضحياتك وجدك وتصرفك النبيل وأنت اليتيم الذي احتفظ بالايتسامة العريضة رغم مرارة الحياة وقسوة الظروف.

يمضي الوقت ولا أشعر به وأنا أعيد على مسامعي حكاياك من دار الحكمة وبستان الظرافة، وسرعان ما أسترجع ما كنت تسر به لي راجيا رحمة الغفور، وكلك سعادة وفخر بما حباك الله من نعم، ورضى بما أصابك من وصب.

ها قد أقبل عيد الأضحى ولم تقبل معه، عاد من جديد حاملا معه أجمل الذكريات في خير أيام الدنيا، ومضيت بسذاجة أقف على عتبة الباب أتطلع لرؤيتك وأنت تصطحب كبش العيد على عادتك لأسارع وأخبر إخوتي بقدومك، انتظرت وانتظرت طويلا إلا أن سحبني صوت أمي من دوامة الانتظار وذكرني أنك لن تأتي وأني قد كبرت على الوقوف أمام الباب الخارجي، وعلي نسيان هذه العادة الطفولية، لكن يستحيل أن أنسى أنني سأظل طفلتك الفرحى مهما كبرت وامتد بي العمر، فأنت من علمتني فرحة العيد وتعظيم شعائر الله، فكيف لا أفرح وأستشعر حسك، ومن أين لي أن أنساك يا أغلى الغوالي؟.
محرومون نحن بقربك، ومحظوظ أنت بقرب الرحيم، أسأله أن يتغمدك برحمته الواسعة، ويجعل مثواك الجنة، مستبشرة بفضله العظيم أن يتقبل قربان أهلك، ويصلك الأجر والثواب.
سننحر كبش العيد يا أبتي… ستبقى ها هنا لا تبرح ذاكرتي، ستقاسمني كل لحظات فرحتي، سأرى يدك وهي تهز أرجوحتي، أسمع ضحتك تعلو ضحكتي، ويرفع لساني أصدق دعوتي، ولا أنفك أذكرك في علني وخلوتي، فأنت أبي الذي حملني في طفولتي، وأسعد قلبي كل مرة فاخر بقوله هذه ابنتي، وأخرج من الأكياس شيئا حلوا ودسه في جعبتي..

هو الشوق يملأ جوانحي، لكنه الرضى يسكن جوارحي ويذكرني أنك ستظل نورا يضيء دربي، ونجما يعلو سماي في ظلمة الليل، وقمرا به أهتدي يا والدي.

اللهم لا اعتراض على الآجال فهذا قضاؤك، وما وعدت بالخلود في الدنيا لأحد، ووعدك الحق، كما وعدت باستجابة الدعاء لمن دعاك، فها أنا ذا أدعوك أن ترحم أبي وأخي محمد رحمة تسع كل الخلائق، وتكرم مثواهما وتغفر لهما ولجميع موتى المسلمين رحم الله عبدا قال آمين.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: المحتوى محمي !!