لا شيء لي

كان الوقت فجرا ومن غير إدراك وجدتني استقل القطار، لا أدري كيف صعدت إليه أو لم ركبته،غير أني تفاجأت بوجودي داخله، يسير مسرعا ولا يتوقف ولو للحظات بأي محطة، يحرمني حتى من رؤية المناظر في الخارج ويحجب عني الضوء، يمنعني من النزول ولا يسنح لي باختيار موقف، يسرع بجنون ومن غير وجهة، تضيع سكته الحديدية بين غمام الحزن الطثيف ونوافذه مغطاة بستائر اليأس الدفين، بحثت داخل محفظتي عن بطاقة هوية لم أجد حاولت الوصول لعنوان أو رقم غير ان كل الأوراق كانت بيضاء، نظرت لساعة اليد لأعرف كم الوقت فوجدت أرقامها وعقاربها قد اختفت، كأن الحروف بقيت خارجا مصطحبة معها الأرقام.

بلا هوية بلا عنوان.. وبلا رقم، الموقف ضاع وضاع معه كل خيط قد يوصل للسبيل، وفجأة اصطدم القطار بجدار واستطعت الخروج، لم أجد أمامي سوى قاربا صغيرا أغراني بالركوب، وأبحرت على غير هدى، عصفت بي الرياح وعلا الموج فتهت من غير وعي حتى وجدت نفسي داخل مستشفى لا يوجد به غير البياض، فالكل يرتدي أثوابا بيضاء، وكأنهم موتى يجولون بأكفانهم، إلا أنا ما ارتديت ثيابا بيضا، فحتى هذا العالم يرفض انتمائي له.

انسحبت لأبحث عن مكان يؤويني، مشيت ومشيت هائما، وصلت لمدينة صاخبة كثيرة الأضواء فرحت أبحث عن مكان لي، بدأت بالفنادق ولكن للأسف جميعها أغلقت أبوابها، فكل الغرف مشغولة، كل البيوت مسكونة، ظللت أغدو من غير وجهة، من هنا إلى هناك، وفي النهاية أدركت أنه لا عنوان لي، لا بيت لي، لا غرفة لي، لا عمل لي، ..نعم لا شيء لي وما من ذنب اقترفته سوى أني ولدت في بلد يرى شبابه الحياة في قارب الموت، ويفضل بعضهم إضرام النار في جسده احتجاجا لأن الموت لم يكن قدره، بلد جعل منه ساسته سجنا كبيرا بل معتقلا للفشل والإحباط، يتخرج منه الجامعيون بشهادات كتب عليها لاشيء لك..نعم لا شيء لي.

error: المحتوى محمي !!