مجزرة الأغواط 4 ديسمبر1852 أول إبادة بالأسلحة الكيميائية في العالم

مجزرة قصر الأغواط

مجزرة قصر الأغواط في 4 ديسمبر/ كانون الأول 1852 “عام الخلية” كما يسميه أهل المنطقة، وهي أول إبادة_جماعية في العالم كله باستعمال الغازات الكيميائية، أين استعمل المستعمر الفرنسي غاز الخردل ثم أحرق جثث الأهالي.

حملات فرنسية لصد المقاومة

• مجاهدو أولاد نايل بقيادة التلي بلكحل، ومجاهدو تقرت و ورقلة بقيادة محمد بن عبد الله، ومجاهدو الأغواط بقيادة ناصر بن شهرة، توحدوا تحت راية واحدة وقاوموا معا وتحصنوا في قصر الأغواط الذي تم قصفه يوم 04 ديسمبر.

هذا القصر كان مفتوحا للفرنسيين ويلعب دورا محوريا لصالح الجنرال ماري مونج ومن جاء بعده من أمثال يوسف ولادميرو منذ يوم 01 جوان/ حزيران 1844م اليوم الذي تم فيه تنصيب خليفة فرنسا على الأغواط وأحوازها “أحمد بن سالم”، وليس هذا المقام للتفصيل حول سبب الخلاف بين “بن شهرة” وصهره “بن سالم” بعد أن كان بن شهرة آغا على الأرباع بمرسوم فرنسي وعونا لبن سالم.

• الأهم هو أن التحضير لـ “استمرار” المقاومة سنة 1852م قد بدأ من بلاد أولاد نايل التي قامت قبائلها وقصورها بصفة سرية بفتح مطاميرها لتخزين المؤونة للمجاهدين في الصحراء، ولهذا فإن العقاب الشديد سيحيق بأهلها، ويسعى كل من الجنرال يوسف والجنرال لادميرو لاستفتاح حملاتهما في بلاد أولاد نايل طيلة شهر نوفمبر/تشرين الثاني 1852م ضد كل من عبازيز الشارف وأولاد سي أحمد وأولاد سيدي يونس وأهل زنينة وأولاد سيدي عيسى الأحدب وأولاد عمران من أولاد الغويني وأهل زكار … وهذه البداية فقط.

• لم يلبث مجتهدو قبيلة أولاد طعبة (فرع أولا نايل) بنواحي مسعد والمجبارة أن تحركوا، فسار إليهم الجنرال يوسف ووقعت معركة أولاد طعبة الأولى، لتليها معركة أولاد طعبة الثانية بعد سقوط مدينة الأغواط.

• كل هذه الظروف دفعت بمجاهدي أولاد نايل إلى التوجه جنوبا والتحصن بمدينة الأغواط ويلتحق بهم مجاهدو تقرت وورقلة.

أسماء القادة الشهداء

وفيما يلي بعض من أعيان وقادة أولاد نايل ممن عُثر على جثامينهم يوم 04 ديسمبر 1852 بمدينة الأغواط:
– “عطية بن الأكرد، القصير بن الحران، أحمد بن سليمان، الطيب بن عامر، بزراطة، سي محمد بن يطو، بن يوسف، الخليفة، مناد بن حرينة، امحمد بن خليفة، الشنيف، الساعد بن ابراهيم، غريش بن دلش، احمد بن الهزيل بن النغلي”
– ومن أولاد سي أحمد “المختار بن البلي، أحمد بن بالرية، قويدر بن أحمد الزواش وولده، دوامة”، هذه أسماء القادة فقط فما بالك بالجنود المقاومين. .. كان أولاد نايل أول حجرة دفاع للأغواط والجنوب عامة ، وحين انهزموا في أراضيهم لم يأخذ الأمر شهرا واحدا من القوات الفرنسية حتى كانت على مشارف الأغواط.

قوات المستعمر الفرنسي

من الجانب الفرنسي شارك عدد كبير من الجنرالات فقد توجه الجنرال بيلسي من وهران إلى الأغواط، وقدم الجنرال دوليني إليها أيضًا، وكذا الجنرال بليسير الذي جاء من منطقة المدية، حيث كان في انتظارهم معسكر الجنرال بوسكران قرب مدينة الأغواط، فحاصروا البلدة من ثلاث جهات بقوات ضخمة عتادًا وعددًا.
– في صبيحة يوم 21 نوفمبر 1852، شنت القوات الاستعمارية الفرنسية بقوام قرابة 20 ألف جندي هجومًا كبيرًا لاحتلال الأغواط، فقابلت مقاومة شرسة من أهالي المنطقة، تكبدوا خلالها خسائر فادحة، منها مقتل الجنرال بوسكران على يد المجاهدين.

بسبب انهزام القوات الفرنسية ومقتل أكبر قياداتها في الأيام الأولى للمعركة، لجأ المستعمر إلى استخدام الأسلحة الكيماوية ليفتح أبواب الجحيم على سكان البلدة الريفية، حيث ستكون فرنسا أول دولة في التاريخ البشري تستعمل الغازات السامة في الإبادة الجماعية، وهي الذكرى التي سماها أهل المنطقة «عام الخلية».

قصف الأغواط بالكيمياوي

خلال أيام نهاية شهر نوفمبر حتى 2 ديسمبر 1852، قصفت القوات الفرنسية منطقة الأغواط بقذائف معبئة بغاز الخردل و بالكلوروفورم، وهي مادة كيميائية سامة قاتلة، يتسبب استنشاقها في تهيج الرئة، وحدوث التهابات حادة في أنسجتها؛ مما يسبب اندفاع كميات متزايدة من السوائل الجسمية التي ينقلها الدم إلى الرئتين لتحدث اختناقًا شديدًا يفضي إلى الوفاة.

وقدر أن الذين أبيدوا من سكان مدينة الأغواط بثلثي سكانها في هذا القصف الكيماوي الإجرامي الذي نفذه الغازي الصليبي في حق المدنيين العزل والمجاهدين الأحرار، ففي أيام معدودة استشهد ثلثي أحياء المنطقة، أي زهاء 3000 شهيد من مجموع 4800 نسمة من سكان الأغواط في تلك الفترة، نتيجة استنشاق الغازات السامة، لتسقط المدينة في يد المستعمر بعد أن أباد أكثر من نصف سكانها.

مجزرة رهيبة بتوقيع فرنسي

مما قاله الضباط الفرنسيون عن هول المجزرة :
(( عندما أخفينا كل الموتى لم يبق أحياء في المدينة إلا عساكر الحملة، كل البيوت كانت فارغة من أفقرها إلى أغناها، كانت كمدينة هجرت، وفي رحاب هذه المدينة السوداء الصامتة تحت أشعة الشمس، شيء يوحي أني داخل إلى مدينة ميتة وبموت عنيف.. كانت المجزرة رهيبة، المساكن والخيام والأزقة والطرقات مليئة بجثث الموتى أحصيت أكثر من 2300 قتيل بين رجال ونساء وأطفا،. لقد كان لزامًا لفرنسا هذا الهولوكوست لتثبت عظمتها للقبائل المحاربة في الصحراء.)) – من مذكرات ضباط فرنسيين.

“كانت محنة مروعة رهيبة، رأيت جنديًّا واقفًا أمام الباب يملأ بندقيته التي اصطبغت بالدم، وجنديين فرنسيين آخرين يجريان وهما يملآن قبعاتهم العسكرية بالحلي المنهوبة من جثث النساء المرمية، فتاتين مسكينتين مطروحتين أرضًا بلا حراك، واحدة مسجاة على الأرض، والأخرى ملقاة على درج، رأسها يتدلى نحو أسفله وهي عارية الجسد، ينزع عسكري ما تحمله من مصوغات وحلي ذهبية وفضية، امرأة ثالثة كانت تحتضر، وبقبضة يدها زر بدلة عسكرية، لقد اقتطعته من بدلة قاتلها”، القائد العسكري إيجين فرومانتان يكتب في مذكراته.

شهادات رهيبة أخرى ما زالت ذاكرة الأحفاد تحتفظ بها مما سمعوه عن من نجا من أجداد، ولا يمكن بأي شكل من الأشمال محو هذه الجرائم النكراء من سجل الاستعمار الفرنسي وما دمره في أرض الجزائر الطاهرة.
■ رحم الله شهداء مجزرة الأغواط 1852م، أول إبادة جماعية بالأسلحة الكيماوية في تاريخ البشرية، ولتعلم فرنسا أن شعب الجزائر لم ولن ينسى.


المصادر:

Eugène Fromentin : « Un été dans le Sahara ». Paris, Michel Lévy frères, libraires-éditeu

error: المحتوى محمي !!