مجزوءة السياسة
مجزوءة السياسة

👈تقديم : إن السياسة أرقى أنواع التفكير ،وهي فلسفة وفن وعلم ، وقد مارسها الإنسان منذ الأزل في تسيير شؤونه ، فالسياسة تهدف لتحقيق مصلحة الجماعة لكي تعيش الشعوب في أمن وسلام بعيدا عن الحروب فهي تعمل على تنظيم علاقة الشخص مع نفسه وغيره ومحيطه .
👈السياسة لغة : تعرف السياسة لغة بأنها عبارة عن معالجة الأمور، وهي مأخوذة من الفعل ساس ، يسوس أي سير وقاد ونظم ورتب شؤون أمر ما وعالج الأمور.
👈أما اصطلاحا فتعرف أنها رعاية كافة شؤون الدولة الداخلية والخارجية وتعرف بأنها سياسة تقوم على توزيع النفوذ والقوة ضمن حدود مجتمع ما .
👈أفلاطون : عرف أفلاطون السياسة بأنها “علم القيادة ” والقيادة تحول العامة إلى جماعة سياسية (أي جماعة تحت قيادة سائس أي قائد) عبر التنظيم ، فالجماعة لا تنظم لوحدها إنما بتدخل إرادة أعلى منها أي لا بد من قيادة وكلمة politiques بالفرنسية مشتقة من كلمة polis اليونانية وتعني المدينة أي مدينة الدولة .
👈أما قاموس العلوم الإجتماعية لعام 1959 فإنه يعرف السياسة تلك العمليات الصادرة عن السلوك الإنساني الذي يتجلى فيها الصراع حول الخير العام من جهة ، ومصالح الجماعات من جهة أخرى ويظهر فيها استخدام القوة بصورة أو بأخرى لإنهاء هذا الصراع أو التخفيف منه أو استمراره، والسياسة هي القوة ، والقوة بالمعنى العام تشير إلى قدرة شخص أو جماعة على فرض إرادتها على جماعة أخرى والتأثير عليها .
👈النظرية الماركسية : والتي تقوم على الفلسفة المادية والصراع الطبقي ، وسيطرة الطبقة البروليتاريا العمالية فإن علم السياسة في نظر هذه الفلسفة على أنه العلم الذي يدرس صراعات الطبقات وأن القانون يمثل إرادة الطبقة الحاكمة التي هي الطبقة العمالية ، ولكن هذا التفسير وهذه النظرية سقطت مع سقوط الفلسفة الماركسية وانهيارها في أوروبا الشرقية والإتحاد السوفيتي السابق.
👈أولا : مفهوم الدولة
الدولة هي مجموعة من المؤسسات الإقتصادية والإجتماعية والسياسية والإدارية التي تسهر على تسيير المجتمع وتنظيم شؤونه(حماية ملكية الأفراد ، تأسيس جيش لحماية مصالح الدولة والأفراد ، حفظ الأمن والنظام وتحقيق العدالة ، تنظيم القضاء وإنشاء المحاكم ، رعاية العلاقات الخارجية مع الدول الأخرى ، تمويل المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية ، إصدار العملة ، توفير الخدمات التعليمية والثقافية وتوفير الرعاية الصحية والمواصلات وخدمات المياه والكهرباء والصرف الصحي وإنشاء موانئ وبناء المطارات والإتصالات السلكية واللاسلكية ) ، ووجود الدولة نابع عن قصور المجتمع في تسيير شؤونه نفسه بنفسه فإذا أراد كل شخص أن يسير شؤونه بما يمليه عليه عقله فسوف تعم الفوضى.
👈نشأة الدولة : نشأت الدولة عن رغبة الأفراد في تنظيم العيش المشترك ، هذه الإرادة تم تجسيدها في العقد الإجتماعي الذي منه نشأت الدولة ، وبالتالي لا وجود للدولة قبل الفرد.
👈المحور الأول : مشروعية الدولة وغاياتها
من وجهة نظر فلاسفة العصر الحديث فإن
المشروعية باختصار هي الحق الذي يخول لجهاز الدولة ويشرع له ممارسة السلطة على الشعب(مجموعة من الأفراد ) وهو بمثابة ميثاق أو تعاقد بين الشعب وجهاز الدولة .
👈السؤال : من أين تستمد الدولة مشروعيتها ؟ أو من الذي يعطي للدولة الحق في ممارسة السلطة على مجموعة بشرية ؟
الشعب هو الذي يصادق على هذه المشروعية أو هذا الميثاق أو هذا التعاقد ويقبل أن تمارس الدولة سلطتها عليه وذلك بتنازل كل فرد عن حقه في حكم نفسه بنفسه لحاكم ليصبح الكل موحدا في شخص واحد يسمى الدولة في مقابل الحصول على السلم والأمان وإدارة شؤونهم الإجتماعية والإقتصادية وووو ..إلخ.
👈يرى ماكس فيبر أن الدولة تستمد مشروعيتها بمعنى آخر تستمد الحق في ممارسة السلطة على جماعة من الأفراد (الشعب )بواسط ثلاثة طرق :
👈أولا : عن طريق سلطة الأمس الأزلي(سلطة العادات والتقاليد) :بمعنى أنها تتوارث السلطة أبا عن جد ، والتي تجعل الشخص يخضع لسلطة الجد أو الأب أو الشيخ
و هكذا تطورت الصيغ الأولية للدولة بشكل تدريجي انطلاقا من العائلة ثم القبيلة والمدينة وأخيرا الدولة .
👈ثانيا : عن طريق الشخصية الكاريزمية : بمعنى أن شخص ما يتمتع بشخصية كاريزمية أي أنه يمتلك صفات مميزة (خارقة )مثلا كالحضور الطاغي بحيث تجد الجميع يصغي إلى مايقول، قوة الشخصية ، ذكاء خارق ، فصاحة اللغة ….وغيرها من الصفات الكاريزمية فكلمة كاريزما تعني باليونانية “النعمة ” والتي يمنحها الله سبحانه وتعالى لمن يشاء من عباده، وهذه الصفات تخول للشخص ان يكون زعيما وقائدا متميزا .
👈ثالثا : السلطة المؤسسية القائمة على التمثيلية والإنتخاب وسيادة الشعب .
👈 نجد جون لوك يرى أن الدولة يجب أن تتدخل فقط في الشأن العمومي المشترك ولا يجب عليها أن تتدخل في الشأن الخاص للأفراد كالجانب الإقتصادي (الملكية) أوالجانب الديني (الإعتقادات الدينية ) فهو يقلص من سلطة الدولة .
👈بخلافه نجد طوماس هوبس يمنح للدولة سلطة مطلقة تخول لها التدخل في جميع الشؤون الإجتماعية للفرد لتحمي ملكياتهم وتحارب الفوضى و تمنع حرب الكل ضد الكل و لتحقق السلم والأمان.
👈 ثانيا : ما هي غاية الدولة من هذه المشروعية ؟ أو ما هدف الدولة من أخذ الحق والمشروعية في ممارسة السلطة ؟
👈يرى اسبينوزا(واحد من فلاسفة التعاقد الإجتماعي) أن الدولة ليس هدفها ممارسة السلطة والسيادة وترهيب الناس وتخويفهم بل غايتها المثلى هي تحقيق السلم والأمان وحماية حقوق الأفراد ويأتي في مقدمتها حق الوجود (وجود حر) . لكن لا بد أن يتخلى الأفراد على الحق في تسيير شؤونهم بما تمليه عليهم أنفسهم بحيث يجب أن تكون سلطة أخذ القرارات في يد الدولة لكي لاتعم الفوضى ذلك لأن الطبيعة الإنسانية خاضعة للشهوة ولا يحدها إلا غياب القدرة ، لذلك كان من الضروري انتقال الأفراد إلى حالة المجتمع وحالة الدولة عبر عقد إجتماعي للحفاظ على الحرية والبقاء ، لكن في نظره أيضا أن الحق الوحيد الذي تنازل عليه الأفراد هو الحق في أن يتصرف كل فرد وفق ما يمليه عليه قراره الشخصي وليس حقه في الحكم والتفكير ، وليس للفرد الحرية في تغيير أي شيء في الدولة بمحض إرادته ووفقا لقراره الشخصي فقط.
👈 يرى هيجل(مؤسس فلسفة الجدل) : أن الدولة لا تمارس مشروعيتها في ممارسة السلطة فقط لتحقيق السلم والأمن وحماية ملكية الأفراد. ..إلخ بل هدفها أو غايتها الأسمى تحقيق الخير المشترك ذلك أن الدولة ليست إلا الفرد نفسه ، فهو ينتقد النظرية التعاقدية التي خلطت بين الدولة والمجتمع المدني ، فالذي يقوم بحماية حرية الأفراد وحماية الملكية حسب هيجل هو المجتمع المدني وليست الدولة هي من تقوم بذلك .
👈 نستخلص أن :
اسبينوزا ( غاية الدولة هو تحقيق الحرية والسلم والأمان )
هيجل : (الدولة غاية في ذاتها )
ماكس فيبر (تستمد الدولة مشروعيتها في ممارسة السلطة عبر ثلاثة طرق : سلطة الأمس الأزلي أو سلطة الشخصية الكاريزمية أو السلطة المؤسسية القائمة على التمثيلية و الإنتخاب ).

المصدر : الثانية باكلوريا علوم”فلسفة وانجليزية”

error: المحتوى محمي !!