محمد البشير الإبراهيمي.. الشيخ الذي كشف التناقض العلماني للفرنسيين بالجزائر
محمد البشير الإبراهيمي

تقديم

عاشت الجزائر لأكثر من قرن وربع القرن صنوفا وألوانا من العنت والعذاب تحت الاحتلال الفرنسي، حيث استُشهد مئات الآلاف من الأبرياء أمام مدافع الفرنسيين وطائراتهم وبنادقهم، وهي مع هذا العذاب الذي كانت تُذيقه للجزائريين بأشكاله المختلفة، قتلا ونهبا واحتقارا لهم ولدينهم ومقدساتهم وثقافتهم، وقطعا لرؤوسهم للاحتفاظ بها في متحف “الإنسان” في باريس، كانت تدّعي اللائكية والعلمانية واحترام الأديان والمقدّسات.

لقد أدرك الجزائريون مدى الخداع والزيف الذي كانت تذيعه فرنسا بين الأهالي في أرجاء البلاد وفي العالم بأنها دولة علمانية لائكية تقف على مسافة واحدة من الأديان والمعتقدات، وأنها بذلك تحترم دين الإسلام كما تحترم المسيحية واليهودية، بيد أن أحد رجالاتها في الجزائر وقف يوما في صراحة مطلقة يقول: “إننا لن ننتصر على الجزائريين ما داموا يقرؤون القرآن ويتكلمون العربية، فيجبُ أن نُزيل القرآن من وُجودهم وأن نقتلع العربية من ألسنتهم”[1].

ولقد وقف ثُلة من علماء الجزائر ورجالها لكشف أساليب الخداع التي كانت تنشرها فرنسا، وقفوا لا يملكون من أمرهم إلا ألسنتهم وجهدهم وأقلامهم، يحاولون نشر التعليم والتربية والأخلاق أمام سيل الأكاذيب والأضاليل والتضييق على العلوم والمعاهد التي كانت تحرص فرنسا على نشر هويتها وثقافتها للوصول إلى “الفرنسة” التامة، ولتصبح الجزائر قطعة من فرنسا وولاية من ولاياتها. كان أحد هؤلاء العلماء العاملين الواعين بخداع فرنسا الإمام الشهير محمد البشير الإبراهيمي الذي كان له أعظم الأثر في تاريخ الجزائر الحديث الديني والعلمي والسياسي، فمَن هو البشير الإبراهيمي؟ وكيف أدرك علمانية فرنسا وفضحها بلسانه وقلمه؟ ذلك ما سنراه في سطورنا التالية.

البشير الإبراهيمي وجمعية العلماء المسلمين

العلامة محمد البشير الإبراهيمي واحد من أهم العلماء المسلمين الجزائريين في العصر الحديث، وُلِد ونشأ في مدينة سطيف القريبة من قسنطينة سنة 1889م، وقد تعهّد به والده، فساعده على الخروج لاستكمال تعليمه في المشرق، في الجزيرة العربية والشام، وذلك في رحلة علمية سنة 1911م، حيث أقام في المدينة المنورة حتى سنة 1917م آخذا على يد علمائها، ومنها انتقل إلى دمشق التي نهل على يد شيوخها حتى سنة 1921م، ثم عاد إلى الجزائر وقد نشطت حركة صديقه عبد الحميد بن باديس العلمية الإصلاحية.

هذه الحركة العلمية الإصلاحية الدينية التي انطلقت بوادرها مع بداية القرن العشرين، ثم تطورت بقيام الشيخ عبد الحميد بن باديس بالتدريس في قسنطينة، غداة تخرجه في الجامعة الزيتونية بتونس سنة 1913م، إذ كان لها أعظم الأثر في المجتمع الجزائري، وقد نضجت هذه اليقظة مع عودة بعض العلماء من مهجرهم بالشرق العربي إلى الجزائر، أمثال أبي يعلى الزواوي، والطيب العقبي، والبشير الإبراهيمي، ثم تبلورت في إنشاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عام 1931م، غداة احتفال فرنسا بالعيد المئوي لاحتلال الجزائر، اعتقادا منها أنها قضت على الشخصية الجزائرية نهائيا بقضائها على الإسلام والعروبة فيها.

انتُخب الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيسا للجمعية والإبراهيمي نائبا عنه، غير أن الاحتلال الفرنسي سرعان ما ضاق ذرعا بنشاط هذه الجمعية المناهض لأهدافه، فقرر اعتقالهم، وقد توفي ابن باديس في قسنطينة سنة 1940م، وفي عام 1943م أُفرِج عن الإبراهيمي، فخرج الرجل بنشاط زائد وهمّة بالغة، حيث أسهم في إنشاء 73 مدرسة وكُتّابا في عام واحد كان الهدف من ورائها نشر اللغة العربية من خلال تحفيظ القرآن الكريم، وعلى إثر هذا النشاط تهافت الجزائريون على بناء المدارس فزادت على 400 مدرسة في تلك الفترة، الأمر الذي جرّ عليه حنق الفرنسيين من جديد[2].

وفي عام 1945م اعتُقِل، لكن أُفرِج عنه لاحقا، حيث قام بجولات في أنحاء الجزائر لتجديد النشاط في إنشاء المدارس والأندية، ثم استقر سنة 1952م في القاهرة، وقد اندلعت الثورة الجزائرية الكبرى سنة 1954م، فقام برحلات إلى الهند وغيرها لإمدادها بالمال، وعاد إلى الجزائر بعد انتصارها في الثورة، ورفض الانحياز لطرف ضد آخر من أطراف الثورة، ثم إنه في السادس عشر من إبريل/نيسان عام 1964م أصدر بيانه الشهير الذي انتقد فيه السلطة القائمة برئاسة أحمد بن بلة لابتعادها عن المبادئ الإسلامية، وتهديدها وحدة البلاد، فصدر القرار بوضعه تحت الإقامة الجبرية، وظل كذلك حتى وفاته في مايو/أيار عام 1965م، وكان من أعضاء المجامع العلمية العربية في القاهرة ودمشق وبغداد.

لقد كانت جمعية العلماء المسلمين في الجزائر منذ إنشائها في ثلاثينيات القرن العشرين وحتى انجلاء الاحتلال الفرنسي في الستينيات ثورة ثقافية نشرت اليقظة، وأدّت إلى تحوُّلات مفاهيمية في المجتمع، على أنها لم تنكمش على نفسها وقضيتها الداخلية، وإنما نشرت روح الأخوة والتضامن مع المغرب العربي كله، كما كان لها اتصالها الوثيق مع المشرق العربي وهمومه، وهذا المقال للعلامة البشير الإبراهيمي من جملة مقالات أخرى تناول فيها التآمر العالمي على فلسطين قُبيل النكبة وبُعيدها في عامَيْ 1947-1948م، وقد كان من الضروري العودة إلى هذه المقالات وإعادة نشرها لنعرف الأسباب الحقيقية التي ربطت الجزائريين بالقضية الفلسطينية مثل بداياتها وحتى اليوم، فهذا الارتباط كان مبعثه أحد أهم رموز الجزائر في عصرها الحديث محمد البشير الإبراهيمي[3].

كان مما تنبّه إليه الإمام محمد البشير الإبراهيمي حقيقة “الاستعمار” الفرنسي للجزائر، وأدواته التي كان يُنفّذها الممثلون له، فهو يقول: “الذي أدركناه، وشهدت به التجارب القطعية أنهم (أي الفرنسيين) نُسخ مِن كتاب، فالعالم، والنائب، والجندي، والحاكم، والموظّف البسيط، والفلّاح، كُلّهم في ذلك سواء، وكُلّهم جارٍ فيه على جبلة كأنها من الخلقيات التي لا تتغير”[4].

لقد كان ولاة الاحتلال الفرنسي للجزائر دائما ما يُنبِّهون على أهمية اللائكية أو العلمانية الفرنسية ذات الخصوصية التي يقوم على أمرها في الجزائر الجندي والمعلم والطبيب والراهب الفرنسي، ودائما ما افتخر جنرالات فرنسا في الجزائر بهؤلاء النفر الذين نشروا “التنوير” و”النهضة” الفرنسية في ربوع البلاد.

لكن الإبراهيمي يردُّ على هذه المزاعم ردا قاطعا بقوله: “جاءت فرنسا إلى الجزائر بالراهب “الاستعماري” لتُفسد به على المسلمين دينهم، وتفتنهم به عن عقائدهم، وتُشكِّكهم بتثليثه في توحيدهم، وتضار في ألسنتهم كلمة “الهادي” بكلمة “الفادي”… وجاءت بالمعلّم “الاستعماري” ليُفسد على أبناء المسلمين عقولهم، ويُلقي الاضطراب في أفكارهم، ويسْتَنْزِلَهم عن لغتهم وآدابهم، ويُشوِّه لهم تاريخهم، ويُقلِّل سلفهم في أعينهم، ويُزهِّدهم في دينهم ونبيّهم، ويُعلِّمهم -بعد ذلك- تعليما ناقصا: شر من الجهل. أما هذا الطبيب الاستعماري بالنسبة إلى المسلمين فكأنما جاء ليُداوي علة بعلل، ويقتل جرثومة بخلق جراثيم، ويُجرِّب معلوماته فيهم كما يُجرِّبها في الأرانب، ثم يعيش على أمراضهم التي مَكّن لها الاستعمار بالفقر والجهل”[5].

لقد أسقط الإبراهيمي أكاذيب الاحتلال الفرنسي في الجزائر ودعايته التي كان ينشرها على ألسنة جنرالاته وفي صحافته من خلال منهج المقارنة التجريبي على أرض الواقع، حين قارن واقع الجزائريين بأكاذيب الفرنسيين، فإذا هي تتهاوى بلا أدنى عناء، يقول: “نظر الناس بعد مرور مئة وعشرين سنة على هذه “الرحمات” الثلاث المرسلة إلى الجزائر من سماء فرنسا (أي بعد مرور 120 سنة على الاحتلال الفرنسي للجزائر)، فإذا تسعة وتسعون في المئة من أبناء الأمة الجزائرية أُميّون، لم يرَوْا مدرسة، ولم يسمعوا بمعلم، فقدوا قديمهم ببركة الاستعمار، ولم يجدوا الجديد! وإذا الطب الاستعماري لم يقضِ على المرض وإنما قضى على الصحة، فأربعمئة ألف من مجموع الأمة مسلولون، والباقون معلولون، وعشرات الآلاف من الأجنّة تسقط لفقد العناية، ومثلها من الصبيان يموت لسوء التغذية، ومثلها من الأحداث يذبل عوده لفقد وسائل التنمية، وإذا الراهب المبشّر ذئب فلاة، يتربّص اليتم ليُنصِّر الأبناء، والمجاعات ليفتن الآباء، فكأن من وصايا المسيح عنده ألا يطعم البطن إلا إذا أخذ القلب، وألا يكسو الظهر إلا بالتجريد من الدين، ولا ينشر تعاليم المسيح إلا باستغلال أزمات الضعفاء والبائسين”[6]!

بعد سرد بعض من فظائع الاحتلال الفرنسي في بلاده في عام 1950م، أي بعد مرور ما يقارب 120 عاما على الاحتلال، يتساءلُ الإبراهيمي بسؤال بسيط وواضح: “وقبل وبعد، فهل حكومة فرنسا بعد إعدادها للرهبان، واعتمادها على الرهبان، دولة لائكية؟”[7]. يتساءل الإبراهيمي عن حقيقة اللائكية (العلمانية) الفرنسية التي تدَّعي فصل الدين عن الدولة، وعدم تدخُّل الحكومة في الشؤون الدينية، وهي في الوقت ذاته تعتمد على الرهبان والقساوسة في تغيير عقائد الجزائريين وثقافتهم ودينهم وتراثهم وتحاربهم في معتقداتهم وتُسفِّه عليهم سلفهم وتاريخهم ونضالهم القديم كما يقول.

فظائع الاحتلال الفرنسي في الجزائر

إن الإبراهيمي لا يقف عند التساؤل وقد صوّر لنا بعضا من السياسة الفرنسية في بلاده تصويرا ملؤه المرارة والحسرة، كشف فيه الفارق الكبير بين ما يُقال في الإعلام والصحف الأوروبية والفرنسية عن القيم الفرنسية اللائكية وبين ما تُعانيه الأمة الجزائرية في زمنه على الأصعدة العلمية والدينية والصحية والسياسية كافة. لكنه لا يكتفي بهذا، بل يتخذ أسلوب المناطقة والفلاسفة بطرح الأسئلة والمقدمات محاولا بتجرد أن يصل إلى نتيجة، فهو يقول: “سلّمنا أنها (أي فرنسا) تمتازُ بادّعاء أنها ممدّنة العالم، ومُعلِّمته، وناشرة لواء الحرية فيه، وأنها السابقة إلى نبذ الأديان، وقطع الصلة بين الله وعباده، وأنها واضعة نظام اللائكية التي معناها وضع سور بين الحكومات وبين الأديان كيفما كان نوعها، ومعناها أيضا تقوية السلطة المادية، وتوهين السلطة الروحية… ولكن ما بالها خالفت العالم الاستعماري كله، وخرقت إجماعه، وشذّت عن قاعدته، فهو يسالم الأديان حتى الباطل منها وغير المعقول، ويترك أهلها أحرارا في شعائرهم ومعابدهم، ويولّيها شيئا من الرعاية والاحترام، ويكتفي بالتسلّط على الجانب الدنيوي من حياتهم، أما هي فتضايق الإسلام في الجزائر وتحتكر معابده وشعائره، وتمتهن رجاله، وتبتلع أوقافه، فلا مسجد إلا ما فتحته، ولا إمام إلا مَن نصّبته، ولا مفتي إلا مَن (حنفته) أو (ملّكته)، ولا شيخ طريق إلا مَن (سلّكته)، ولا حاج إلا مَن حجّجته أو نسّكته، ولا صائم ولا مفطر إلا على يد (لجنتها)، ولا هلال إلا ما شهد برؤيته (قاضيها)”[8].

ويتحسّر الإبراهيمي على سيطرة فرنسا على مساجد المسلمين وأوقافهم في الجزائر، ويعد هذا الفعل الشنيع والسيطرة المباشرة على هذه الجوامع والمساجد، واختيار مَن تراه أهلا للإمامة والإدارة الأسلم لها، والأكثر اقترابا من “العلمانية الفرنسية”، لكنه يقول بلا خوف: “إن ابتلاعها لأوقافنا الدينية والخيرية ظلم، والظلم لا يدوم، ولصوصية، واللصوصية لا تتأتى إلا في الغفلة أو النوم أو الظلام، فأما في الانتباه واليقظة والنور فافتراس تبرره القوة والعتو، وليسا من صبغة هذا الزمان”[9].

تلك بعض من ادّعاءات العلمانية الفرنسية في الجزائر زمن الاستعمار الذي استمر طوال 133 عاما، لقد تكشّفت فرنسا كما رأينا على لسان العلامة الإبراهيمي، وهو الشاهد على عصر الاحتلال الفرنسي، وأحد الذين ذاقوا على يديه الويلات، ورأينا كيف فضح “لائكية فرنسا” التي تعود هذه الأيام لتتهم الإسلام بالإرهاب، والمسلمين بالتطرف، متجاهلة تاريخها القريب الذي دوّنه مئات من شهود العيان، ولم تجف أحباره وسطوره حتى يومنا هذا، وكان الإبراهيمي واحدا من آلاف من ضحايا وشهود عيان قيم “اللائكية الفرنسية”!

  بقلم: الأستاذ أحمد إبراهيم/  القراءة من المصدر.


المراجع:

1- آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي 1/7.

2- البشير الإبراهيمي.. مهندس توأمة الجزائريين بفلسطين، موقع ميدان

3- البشير الإبراهيمي.. مهندس توأمة الجزائريين بفلسطين، موقع ميدان

4- الأعمال الكاملة للبشير الإبراهيمي 3/95.

5- السابق 3/96، 97.

6- السابق 3/97.

7- السابق 3/99.

8- السابق 3/103.

9- السابق 3/107.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: المحتوى محمي !!