مدينة تطوان الحمامة البيضاء
مدينة تطوان الحمامة البيضاء

تقديم

تلقب مدينة تطوان بين المغاربة بـ “الحمامة البيضاء“، وتقع في منطقة الريف الكبير وفي منطقة فلاحية على ساحل البحر الأبيض المتوسط، بين مرتفعات جبل درسة وسلسلة جبال الريف شمال المغرب، و تشتهر المدينة العريقة بأحيائها العتيقة المشيدة وفق طابع فن العمارة الأندلسي.

اختلف الناس قديما وحديثا في كيفية النطق باسم تطوان فهناك من يمد الطاء لتصير الكلمة تطاون والتي تعني العيون أو السواقي.

أصل التسمية

برزت عدة أوجه لكتابة هذا الاسم بلغ من ذلك سبع صور في الكتب والوثائق الرسمية وهي :

  • تِطْوَان: بتاء مكسورة تليها طاء ساكنة فواو فألف ونون، وهي الكتابة الأشهر بين الناس، والتي تم تداولها منذ القرن الثامن للميلاد. وقد وردت في كتاب القرطاس المؤلف عام نيف وعشرين وسبعمائة، وكذلك جاءت في كتاب دوحة الناشر لابن عسكر المتوفي سنة 986، ويمكن الاضطلاع فيه على ترجمة أبي عبد الله الكراسي والشيخ الجاسوس، كما ذكرت في كتاب درة الحجال لابن القاضي المكناسي المتوفي سنة 1025م، وفي كتاب نزهة الحمادي لليفراني وكتاب الدولة السعدية أيضا.
  • تِطَّاوَن: بطاء مشددة بعدها ألف فواو فنون وهذه الصيغة هي التي ينطقها جميع أهل المدينة مثلهم مثل أهل البلاد المغربية في سياق لهجتهم المحلية. وردت تِطَّاون في كتاب ” نزهة المشتاق ” للشريف الإدريسي السبتي الجغرافي العالمي الشهير المتوفي سنة 560 وبهذه الصيغة ذكرها أبو حامد الفاسي في مرآة المحاسن مرارا، وكذا كتبت في درة الحجال وفي كتاب الدولة السعدية وفي نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب لأحمد بن محمد المقري التلمساني.
  • تِطَاوِين: بواو مكسورة مدودة بالياء وآخرها نون، وهذه هي الكتابة التي تعتمد في مختلف الوثائق والرسوم العدلية القديمة، وهي التي أثبتها وأيدها العلامة أبو علي اليوسي واعترض على الذين يسمونها تطوان وسماهم متصفحين. أما أبو العباس الناصري مؤلف كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى فلا يذكرها في الغالب إلا بهذه الصيغة، وكذا وتبناها الأستاذ أحمد الرهوني وبناء عليها سمى كتابه :” عمدة الراوين في تاريخ تطاوين “
  • تِيطَاوِين: بمد التاء المكسورة، و ومد آخر بالياء بعد الواو، وقد وردت هذه الصيغة في تاريخ ابن خلدون وكتاب البيدق المؤلف في القرن السادس للميلاد، وكتاب النفحة المسكية المؤلف في القرن العاشر.
  • تطاوان: بتاء تليها طاء مشددة فألف فواو فألف فنون، وهي الصفة التي أوردها أبو عبيد البكري الأندلسي في كتابه المسالك والممالك، وهو من رجال القرن الخامس كانت وفاته سنة 487 هـ.
  • تيطاوان: مثل الصيغة التي قبلها بزيادة ياء بين التاء والطاء، وقد ذكرت في كتاب البكري، وكتاب الاستبصار المؤلف في القرن السادس علاوة على كتاب النفحة المسكية.
  • تيطاون: بياء بين التاء والطاء وعدم الفصل بين الواو والنون، هكذا كتبها عذاري المراكشي في حوادث سنة 347 من كتابه ” البيان المغرب في أخبار المغرب “، كما وردت في مواضع متعددة من جزء مختصر من كتاب مناهل الصفا للفشتالي، وفي كتاب لقطة الفرائد لابن القاضي وكتاب النفحة المسكية.

يقول الفقيه العلاّمة التطواني محمد داود رحمه الله فى كتابه الكبير “تاريخ تطوان” :..(وهذه الصّيغ السّبع كلّها أمازيغية صِرفة ولا يُعرف لها معنىً في اللغة العربية؛ أمّا في اللغة الأمازيغية فمعناها عين أو عيون ولعلّ سكانها الأقدمين من الأمازيغ سمّوها بذلك لكثرة العيون التي بها وبأرباضها ونواحيها..)، وهذه الصيغة نجدها مكتوبة في جلّ الوثائق والرسوم العدلية القديمة.

  • اللاتينية: تكتب تطوان في أغلب اللغات الرومانية Tetouan، يضاف لها في الفرنسية إشارة فتحة لاتينية (Tétouan) أما في الإسبانية فتكتب (Tetuán).

تاريخ مدينة تطوان

تاريخ تطوان ضارب في القدم فهي مبنية على أنقاض مدينة كانت تسمى بتمودة. وجدت حفريات وآثار من مدينة تمودة يعود تاريخها إلى القرن الثالث قبل الميلاد. دمرت تمودة حوالي عام 42 ق.م من طرف الجيوش الرومانية. أما اسم تطوان أو تطاون فهو موجود حسب المراجع منذ القرن الحادي عشر الميلادي.

في أوائل القرن الرابع عشر وتحديدا عام 1307 م، أعاد السلطان المريني أبو ثابت بناء المدينة كقلعة محصنة يقال أن هدفه كان الانطلاق منها لتحرير مدينة سبتة. وفي خضم تلك الحروب دمر الملك الإسباني هنري الثالث المدينة عن آخرها سنة 1399 م.

يبدأ تاريخ المدينة الحديث منذ أواخر القرن الخامس عشر، عند سقوط غرناطة سنة 1492 على يد ملوك الكاثوليك فردناند وإيزابيل أي منذ أن بناها الغرناطي سيدي علي المنظري، وهو اسم أصبح رمزا ملازما لمدينة تطوان. خرج آلاف المسلمين وكذلك اليهود من الأندلس ليستقروا في شمال المغرب عموما وعلى أنقاض مدينة تطوان خاصة فعرفت هذه المدينة مرحلة مزدهرة من الإعمار والنمو في شتى الميادين فأصبحت مركزا لاستقبال الحضارة الإسلامية الأندلسية.

المواجهات العسكرية مع إسبانيا والبرتغال في القرنين السادس عشر والسابع عشر، حيث كانت أساطيل تطوان تشكل خطرا دائما على مصالح العدو الخارجي، كان لها الأثر البالغ خاصة من الناحية العمرانية حيث بنيت قلع وأسوار للدفاع عن المدينة. كذلك تجارة المغرب مع أوروبا(إسبانيا وإيطاليا وإنجلترا) خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، كانت كلها عبر مدينة تطوان التي كانت آنذاك من أهم الموانئ المغربية حيث كانت البواخر تقوم برحلات بين تطوان وكل من جبل طارق، مدينة الجزائر، مرسيليا، ليفورنو.

الحَمَامَةُ البيضاء المحلقة وخوافيها

هذه المدينة السّاحرة المحروسة المنبسطة  فى دعةٍ وسكون بين جبليْ ” دِرسا” و” غورغيز” ، والواقعة بين مدن الحسيمة والشاون وطنجة والعرائش، قال عنها الفقيه المرحوم الأديب الكاتب الشّريف النبيل مفضّل بن محمد أفيلال التطواني المتوفىّ سنة 1886 وهو من الأدباء اللاّمعين، والكتّاب البارزين في عصره، قال :

تطوان ماكنــــــتِ إلاّ /  بين البلاد حمامــَـــــه

بل كنتِ روضاً بهيــجاً /  زهرُه أبدى ابتسامـَــه

أو كمُحّيا عـــــــروسٍ/ علاه في الخدّ شامَه

فقتِ بهاءً وحســـــناً /  فاساً ومصرَ وشامـَــــه

رماكِ بالعينِ دهـــــرٌ /  ولا كزرقا اليمامـــــــه .

ويُقال إنه أوّل من أطلق على مدينة تطّاون أو تطوان (الحمامة البيضاء)، علماً بأنّ هذا الإسم ورد كذلك فى صدر رواية الكاتب الإسباني الكبير ” بينيتو بيريث غالدوس” (1843-1920) “عايطة تطّاون” حيث يقول إنّ هذه المدينة الآمنة كانت تتراءى من بعيد للجنود الإسبان الذين قدموا مع “الجنرال ليوبولدو أودونيل” فى حملتهم العسكرية الضارية الضّروس عليها عام 1860 (كالحمامة البيضاء) التي سوف تلطّخ قريباً بالدماء .

ومعوف أنّ محاكم التفتيش فى اسبانيا أسفرت بعد سقوط غرناطة عن نزوح آلاف الموريسكيين (من مسلمين ونصارى ويهود) نحو مدن شمال افريقيا ، فرست في تطوان أول السفن المُحمّلة بالموريسكيين حاملين معهم حضارتهم الأندلسية الرفيعة من فنون، وغناء، وشعر، وطرب، وموسيقى، وطبخ، وحرف يدوية وصناعات  تقليدية ولباس وتصميم الحدائق والمعمار واللغة كذلك ،وعن هذا يقول الباحث المغربي محمد الشريف في بحثه القيّم عن هذه المدينة الاندلسية :”بنت غرناطة الحاضنة للحضارة الأندلسية بالمغرب”: “مدينة تطوان العتيقة الموجودة الآن بتقسيماتها وأزقتها ومنعرجاتها، هي من بناء مهاجري الأندلس في أواخر القرن التاسع الهجري على أنقاض تطوان القديمة. فهي بنت غرناطة التي ستصبح مغرس الحضارة الأندلسية في المغرب. ففي فترة وجيزة تحولت تطوان إلى مدينة أندلسية داخل التراب المغربي بفضل الوفود الأندلسية التي استقبلتها تباعاً. إنّ تدفق المهاجرين عليها كان يتزايد كلما أشرفت حرب غرناطة على نهايتها جعل من تطوان مدينة غرناطية محضة”.

error: المحتوى محمي !!