الجزائر

مسجد الجزائر الأعظم بأعلى مئذنة في العالم

تقديم

للمسجد دور ريادي في قيادة الأمة وتنظيمها ولا يقتصر على كونه مجمعا لإقامة الصلاة فحسب إذ يعد صرحا دينيا ومركز إشعاع فكري وتنموي، وهذا ما اعتمده الرسول صلى الله عليه مسلم في أول عمل قام به في المدينة المنورة حيث بنى “مسجد قباء” مبدأ انطلاق مشروع بناء الأمة الإسلامية ونهضتها، فكان مهدا للدعوة ورمزا للتوحيد ومنبرا مقدسا لنشررسالة الوحي الإلهي.

وجعل النبي عليه الصلاة والسلام مسجده المبارك مركزا للتربية والتعليم، ومأوى للفقراء والمساكين ومقرا لتقديم المساعدات والتضامن والتكافل الاجتماعي فضلا عن كونه مقرا للحكم والقضاء.

ولهذا فالمجتمع العربي بحاجة إلى مساجد تنبثق منها أساسيات إدارة مختلف هياكل الدولة بتوفير تربية خلقية على منهاج النبوة وتعميم الضوابط الشرعية وزرع الخشية ومراقبة النفس فذلك سيؤمن طريق العدل والاجتهاد ومنه التقدم والرقي الحضاري في أسمى معانيه.

وقد اهتمت الجزائر بإنشاء “المسجد الأعظم” ليكون منارة دينية ومنبعا للهداية وحصنا لحفظ هوية الأمة.

مسجد الجزائر الأعظم ومرافقه

يقع المسجد الأعظم ببلدية المحمدية شرق العاصمة الجزائرية ويبعد عن المطار الدولي بـ 14 كلم، يتربع على امتداد 20 هكتار بمساحة تقدر بحوالي 400 ألف (م²)، به حظيرة لوقف السيارات بطاقة استيعاب 4 آلاف مركبة.

إقرأ أيضا:“شرفات الغوفي” في البيوت المعلقة

يحتوي على 12 بناية، منها قاعة للصلاة مساحتها 22 ألف (م²) تتسع لنحو 36 ألف شخص، كما يضم مدرسة قرآنية، مكتبة ومتحف للفنون والتاريخ الإسلامي، فضلا عن مركز أبحاث لتاريخ الجزائر وقاعة مؤتمرات.

للمسجد باحة واسعة مكشوفة تتوزع عليها أشعة الشمس فيغمرها الضوء والدفئ، كما أن هناك مساحات خضراء متنوعة بأشجار مثمرة وحشائش بديعة.

يمكن تسمية هذا المسجد بالجامع تبعا لشساعة مساحته وتنوع مرافقه.

جانب من باحة الجامع وتقدم الأشغال به

ونظرا للموقع الاستراتيجي وإطلالته على البحر سيتم إيصاله بمرسى بحري من خلال ممرين.

وتقول بعض المصادر أن السلطات اصطلحت على تسميته باسم القائد العظيم”عقبة بن نافع” فاتح المغرب العربي وصاد غزوات الروم -رحمة الله عليه- اعترافا وتيمنا بما حمله من نور الإسلام وعدالته للشمال الإفريقي.

اختيار موقع تشييد الجامع الأعظم

لم يكن اختيار مقر “المسجد الأعظم” صدفة أو بطريقة عشوائية إنما تم انتقاء بلدية “المحمدية” بعناية إذ كانت تسمى في عهد الاحتلال الفرنسي “لافيجري” نسبة للكاردينال “شارل مارسيال ألمان لافيجري” الذي ولد عام 1825م بمدينة بايون (بيونة) في إقليم پيرينيه-أتلانتيك جنوب غرب فرنسا وتوفي سنة 1892م بـالجزائر ونقل جثمانه إلى تونس ليدفن بكاتيدرائة شيدها ما بين عامي (1884-1890) م وأسماها “القديس لويس”.

إقرأ أيضا:غزوة بدر الكبرى أول معركة فاصلة في الإسلام

 ويعد “الكاردينال لافيجري”من أهم قادة الحملات التبشرية التي رافقت الغزو العسكري على المغرب العربي، وقد أسس جمعية ” الآباء البيض” عام 1868م بهدف تحويل الجزائريين عن دينهم ودعوتهم بأساليب استغلالية لاعتناق المسيحية، وقد عُيِّن على رأس الأسقفية خلفا للأسقف “بافي” الذي شيد كاتدرائية “السيدة الإفريقية”.

لم يتوان الكاردينال “لافيجري” عن أداء مهمته التبشيرية ميدانيا، فقد تمكن من إنشاء حوالي 121 كنيسة بداية من سنة 1876م إلى غاية 1892م  بدعم وتمويل من سلطات المستعمر ومساندة المعمرين، انطلاقا من المدن الكبرى وصل إلى القرى والمداشر معتمدا على الأوضاع الاجتماعية المزرية والظروف الاقتصادية الصعبة، ليظهر ورفقاؤه بدور المُخَلِّصِّين الذين جاؤوا لتقديم المساعدة للأهالي بتعليمهم وعلاجهم وكذا انقاذهم من الضلال وتغيير معتقداتهم بطرق مُلْتَوِّيَة، حيث تقول بعض المصادر التاريخية وشهادات من عايشوا تلك الفترة المظلمة أن “الكاردينال لافيجري” كان يجوب الشوارع والأحياء حاملا الصليب في يمينه والخبز في يساره مساوما المعوزين من يتامى وفقراء على قبول المسيحية مقابل إطعامهم، ولكن مخططه باء بالفشل فما ترسخ من قيم وتعاليم دين الحق لا يستبدل بكنوز الأرض كلِّها ولو في أصعب وأقسى الظروف.

وتخليدا لذكرى الكاردينال أسمت الإدارة الفرنسية منطقة تابعة لبلدية “الحراش” بالجزائر العاصمة باسم “لافيجري” لتسمى بعد الاستقلال باسم ” المحمدية ” نسبة للرسول الهادي الأمين محمد صلى الله عليه وسلم.

إقرأ أيضا:أسماء الكعبة المشرفة كما وردت في القرآن الكريم‏
الكاردينال لافيجري

فالمنطقة التي كانت ما بين عامي (1866-1920) م محل إيواء لجالية الآباء البيض المسيحية بمبادرة من “الكاردينال لافيجري”، غدت حاضنة لـ “المسجد الأعظم” ومحوا لأثر معقل الحملات الصليبية أثناء الاحتلال ورغم ذلك تستمر فرنسا ليومنا هذا في التخطيط والسعى للعودة بأساليب جديدة.

معارضة فرنسا مشروع المسجد الأعظم

إبان الاستعمار الفرنسي اختير موقع استراتيجي على هضبة بولوغين في أعالي العاصمة الجزائرية ليكون مقرا لكنسية ” السيدة الإفريقية” وهي كاتيدرائية كاثوليكية بدأت أشغال تشييدها سنة 1955م ليتم تدشينها رسميا سنة 1972م، وتصير أول ما يقابل الداخل إلى الجزائر في الواجهة البحرية وبوابة إفريقيا.

توهما من المستعمِرة السابقة أنها برفع رمز الصليب في أعلى قمة بالخليج البحري ستنجح في تغيير معتقد شعب اختار الإسلام طوعا وتتوغل بعدها في إفريقيا ككل لتنصيرها واستغلالها أبشع استغلال.

ورغم فشل مخطط القسيس “بافي” و”لافيجري” وغيرهم من الرهبان إلا أن فرنسا التي تحارب الإسلام بلا هوادة على أراضيها بقوانينيها الجائرة امتدت لمحاربته في دياره وظنا منها أن الجزائر محمية فرنسية قادت حملة شرسة لمنع بناء المسجد الأعظم، مستغلة وسائل الاعلام بنشر تقارير عن التكلفة الضخمة للمشروع وزعمها أنها قدرت بـ 2 مليار دولار رغم أنها شاركت في مناقصة البناء وخسرتها، كما ركزت على غياب المرافق العمومية وتدني المستوى المعيشي للمواطن الجزائري ونقص الخدمات من أجل التحريض على إثارة الرأي العام ووقف الأشغال والتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد.

مسجد الجزائر الأعظم

أطول مئذنة في العالم

بهندسة معمارية إبداعية يشكل “مسجد الجزائر الأعظم” تحفة حقيقية بارزة في العالم الاسلامي إذ يحتل المرتبة الأولى مغاربيا وإفريقيا والثالثة عالميا بعد الحرمين الشريفين من حيث المساحة، ويصل علو مئذنته إلى 265 م وهي أطول مئذنة في العالم، أما قبته المستديرة فقطرها 50 م وبارتفاع 70 م.

أطول مئذنة في العالم

وقدرت تكلفة هذا المشروع الضخم بما يقارب 1.4 مليار دولار، وكان من المزمع افتتاحة في شهر رمضان الفضيل لسنة 1441هـ / أفريل – نيسان 2020م ولكن بسسب جائحة كورونا تم تأجبل الموعد إلى أجل آخر لتظل الواجهة البحرية مزينة بمعلم إسلامي راقي ليشهد العالم بأسهره أن شعب الجزائر مسلم.

السابق
منبع القردة
التالي
“تيڤزيرت” جزيرة الأمازيغ الساحرة

اترك تعليقاً