معارف إسلامية

معـتقدات شعبية ومخالفات عقدية

معـتقدات شعبية ومخالفات عقدية 1

تقديم

لا تخلو الحياة من المشاكل، ولا يوجد طريق دون عقبات، ولكن البعض عوض أن السعي لإيجاد حلول وتخطي الصعاب بعزم وتحد وتحويل الإخفاق لنجاح، لا يتقبل الإخفاقات ولا يوجه الشدائد بصبر وجلد، فتبدأ رحلة البحث عن مشجب لتعليق الأخطاء ولوم الغير، فهناك من يرى أن ما يحدث معه ليس قضاء وقدر إنما هو نذير شؤم وسوء حظ لصيق به، أو كما يعرف بين الأوساط الشعبية بـ”التابعة ” والفأل السيء، فيلجأ بدوره إلى تبني أفكار وليدة الخرافة على أنها أنجع العلاجات لجلب الحظ وتحقيق السعادة، وتترسخ في العقول معتقدات باطلة من شأنها تغيير مجريات الأمور.

التشاؤم بالقطط السوداء والمرايا المكسرة، والاستبشار ببعض الحشرات ذات الألوان الزاهية، التيمن بالأماكن والتبرك بالأولياء والأضرحة، ممارسات ومعتقدات لا تزيد النفوس سوى أمراضا ستستعصي حتى على الأطباء المختصين بعدما يستمكن منها الضلال ويصير العالم منقسما إلى ميمون ومشؤوم.

شؤم شهر مايو (أيار)

لا يوجد في الكتاب ولا في السنة النبوية الشريفة ما يجعل شهرا مباركا مثلما يعتقد البعض في شهر يناير (جانفي/ كانون الثاني)،  فلا يفوتون الاحتفال والتظاهرات، على نقيض شهر مايو (أيار) الذي يعد شهر الشؤوم ، ففي مناطق مختلفة من العالم، ففي الشرق والغرب تشكل هذه الفترة الزمنية مصدر قلق، إذ أن بعض الناس يستحيل أن يقوموا بختان الأطفال أو خطبة امرأة أو زف عروس في هذا الشهر، كما أنهم لا يحتفظون بالمواشي والدواجن التي تولد فيه أيضا حيث فيلقونها في البرية لتهيم كما تشاء ولا ينتفعون بها حتى ولو مستهم الفاقة وكانوا بحاجة إليها، كما أنهم لا يزرعون ولا يحرثون ولا يجنون الثمار حتى ينقضي الشهر، فأي جرم حدث بشهر مايو ليجعله وبالا على البعض ، أم أنه الجهل الذي يفعل بصاحبه ما لا يفعله العدو بعدوه، ويحظر الباطل على أصحابه ما أحل الله لعباده، والأصل في الأشياء الإباحة استخلاصا من أدلة الشرع.

إقرأ أيضا:ما بعد الحج آخر ركن من أركان الإسلام..

مسك الخشب

فئة مثقفة كما تدعي لأنها تضم أشخاصا يزعمون أنهم متعلمون جدا ومشبعون بالثقافة الغربية، وإذ ما هالهم أمر أو فزعوا لشيء ما وخصوصا إذ ما تعلق بالعالم الآخر وذكر الأرواح فعادة ما يلجئون لاستعمال عبارة ” je touche le bois،   touch wood” أي بمعنى ” ألمس الخشب”.

منشأ هذا الاعتقاد يعود لعباد الأشجار من الهنود الذين كانوا يهرعون إليها ويتمسكون بها أو بأي شيء صنع من خشب لاعتقادهم أنها تدفع الضرر وتجلب الخيرات، فإذا ما أثنوا على شيء أو أخافهم أمر ما عادوا إلى معبودهم واحتموا بقوته عله يؤمنهم، وهذا الإيمان الباطل بقي ساري المفعول إلى يومنا هذا، بل وكثيرا ما تتردد هذه الجملة في عدد كبير من المجتمعات، لاعتقادهم بتأثيرها وقدرة الخشب على الذود عنهم وامتصاص الشرور رغم أنه جماد لا حول له ولا قوة وشرارة نار تهلكه، فلا أمل في الحصول على حظ سعيد في شيء، أو تجنب مصاب من خشب أصم أبكم.

التبرك بالأضرحة

رغم أن الإسلام حارب عبادة الأوثان إلا أن ظاهرة التشبث بالحجارة والتمسح بها ما زالت قائمة حتى في ديار المسلمين، وهذا شأن القبوريين الذين يتبركون بالأضرحة ويناجون أصحابها ظنا منهم أنهم قادرون على تحقيق رغباتهم والاستجابة لدعواتهم رغم أنهم أموات لا يملكون ضرا ولا نفعا.

إقرأ أيضا:سورة السجدة مكتوبة

هذا المظهر كثيرا ما يطبع مدافن الصالحين الذين يبرؤون من هذه الممارسات، فعدد الأضرحة لا يعد ولا يحصى، وبكل الأسماء سيدي خالد، تيمزريت، الشجرة البيضاء وغيرها ،فلا تكاد تخلو قرية واحدة من هذه المزارات والتي يقصدها الناس لتقضي حوائجهم، وتفرج كروبهم.

ففي هذه الأمكنة توجد أبنية قديمة يتوجه إليها السكان ويطلبون العون ويستغيثون وهم يتمسحون بالجدران ويضعون الصدقات أموال، حلي، أطعمة وأقمشة جديدة المهم كل ما يصلح أن يكون هدية لتتم الاستجابة، لكن ببقى العامل المادي هو المحرك الأساسي للظاهرة.

وللخرافات بقية

هي أفكار كثيرة يتداولها الناس وكلمات تلوكها ألسنهم منها ما هو شرك محض وأباطيل لا أساس لها من الصحة، فمثلا لدفع العين والحسد والسحر يعد الملح الحل الأمثل إذ يلف على الرأس ويحرق في النار أو يحلل في الماء ويتم الاغتسال والجلي به وهلم جر .

وبعد الملح يأتي سر المرآة، فكيف لها أن توقف نزول المطر لو وضعت على السطح، ولو شحت السماء ولم تجد بالمطر بأمر من الله تعالى فإن معتقد ” بوغنجة “سيرسل السماء مدرارا، وهذا التقليد عادة ما يكون في الأرياف، ففي أيام الجفاف والقحط يلجأ الناس إلى أخذ ملعقة قدر كبيرة أي ما يطلق عليه اسم “الغراف ” فيلبسونه ثيابا ويقومون بالتجوال به والطواف على المنازل مع الغناء له وطلب هطول الأمطار ليبلل رأسه، وحتما سيستفيدون من الماء الذي لا بد أن ينزل.

إقرأ أيضا:مؤشر السعادة العالمي: ما ترتيب بلدك بين السعادة والبؤس؟

هذه الممارسات مازالت إلى يومنا هذا، فأي مفهوم باطل يسري بحرية، وأين هي صلاة الاستقاء التي كانت من هدي النبي صلى الله عليه وسلم. 

وما يثير الاستغراب و السخرية في آن واحد هو ما يعتقده البعض في العناية الخارقة، حيث يتفادون لفظة “العناية” فلو توجه أحدهم وطلب منهم أي شيء ومهما كان غاليا وتلفظ بكلمة العناية، أي قول ” في عنايتك سلمني كذا ” فإنهم سيسلمون إياه دون تردد، بل بمجرد أن يشكوا في أن أحدا ما سيقولها يسارعون بالهرب منه ومرات يترجونه بعدم التلفظ بها وحتما هذا الشخص سيكون غريبا عنهم لأنهم يستحيل أن يأتوا على ذكرها حتى الأطفال عندهم لا يجرؤون، لأنهم بالمقابل يرون أن اللجوء لاستخدام اللفظ قد يحمل مصيبة معه

ممارسات شركية

تتبلور هذه المعتقدات على شكل ممارسات غريبة كالذبح والنذر للقبور والموتى، والطواف بها وتتبعها رقى شركية يستعان فيها بغير الله تعالى، بل هي كفر وضلال كمن يطلب الشفاء وفتح أبواب الخير ودفع الضرر من الخلق.

ففي بعض المناطق الريفية يتوجه الأهالي للتبرك بأصحاب القبور، ويقدمون لهم العطايا والهدايا، خاصة في موسم الحصاد وجني الثمار والخضروات، حيث يحضرون قطعا من القماش بعد تركها للمبيت عند الأضرحة ويعلقونها بالأشجار، وبهذا لن يلمسها أحد سوى صاحبها ومن أخذ ولو ثمرة واحدة ستحل به لعنة حامي هذه الأشجار التي تحملها الخرقة والتي تكون أكثر من وازع لأصحاب الخرافات والضلال.

كانت هذه جملة من المعتقدات الشعبية الباطلة وبقي غيرها الكثير، ولعل تطور التكنولوجيات زاد من انتشارها وما يتم تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي يؤكد استفحال الظاهرة.

رغم ما توصل إليه العلم من تطور إلا أن تنصر للجهل أنصار كثر، وما زالت الخرافة تعشش في نفوس أشبعها الضلال، مما ما جعل الطريق معبدا أمام رواد حملات التبشير و فتح الأبواب في وجوه حاملي صليب التنصير، فأين الدعاة ورجال الدين ومتعلمو هذه الأمة ليوقفوا هذه التيارات والفتن المضللة والأفكار الباطلة ؟ .

ولا يجوز اتباع الأهواء والعادات التي لم يشرعها الله سبحانه وتعالى، لأن الإسلام هو دين الحق والهدى والعدالة في كل شيء، وفيه الدعوة إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال والنهي عما يخالفها،فعن أُبَيِّ بنِ كعبٍ -رضي الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” إنَّ اللَّهَ لو عذَّبَ أهلَ سماواتِهِ وأهلَ أرضهِ لعذَّبَهم وهوَ غيرُ ظالمٍ لهم ولو رحِمَهم لكانَت رحمتُهُ خيرًا لهم من أعمالِهم ولو أنفقتَ مثلَ أُحُدٍ ذهبًا ما قبلَ اللَّهُ منكَ حتَّى تؤمنَ بالقدَرِ وتعلمَ أنَّ ما أصابَكَ لم يكن ليخطئَكَ وما أخطأكَ لم يكُ ليصيبَكَ ولو متَّ على غيرِ ذلك لكنتَ من أهلِ النَّارِ.” قالَ فأتيتُ عبدَ اللَّهِ بنَ مسعودٍ وحذيفةَ بنَ اليمانِ وزيدَ بنَ ثابتٍ فكلٌّ منهم حدَّثني بمثلِ ذلكَ عنِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ.

السابق
وفاة الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة
التالي
اعتقال آخر سجنين فلسطينيين فارين من سجن جلبوع

اترك تعليقاً