المعلم العربي

من أجل النهوض بالمنظومة التربوية في الجزائر

تقديم

أزمات التعليم في الجزائر عديدة ومتعددة لحقتها في الآونة الأخيرة أزمة جائحة كورونا ليزداد الوضع سوءا في قطاع التربية والتعليم مع غياب إستراتيجية تعليمية واضحة المعالم للارتقاء بالمستوى التعليمي بما يتوافق مع التغيرات التي تشهدها مختلف المجالات.

وفي سابقة لم يشهدها العالم تم توقيف الدراسة وإغلاق المؤسسات التعليمية في ظل ظروف صعبة كان ولابد من إعداد حلول مسبقة وبدائل لضمان سير الحياة من غير عجز ولا ضياع لحين العودة للوضع الطبيعي وانفراج الأزمة.

توقيف التعليم مشكلة كبيرة ستلقي بظلالها على المجتمع وتطوره وترهن مستقبل أجيال بالمجهول، في حين أن الكثير من الدول استطاعت أن تقلل من خطورة الوضع واعتمدت على نظام الدراسة عن بعد وحققت نتائج إيجابية فلماذا تخلفت الجزائر بل ورفعت نسبة النجاح حيث أن التحصيل العلمي ضئيل والتفوق بلغ أعلى مستوياته في معادلة مستحيلة الحلول تنذر بأزمة أكبر وأعمق.

أزمة التعليم وأزمة كورونا

توقيف الدراسة لما يقارب الثمانية أشهر يعد فترة انقطاع طويلة قد تقتل روح حب التعلم لدى الأطفال وتخلق عدم الرغبة في العودة للتعليم بعد هذه الراحة السلبية، وتجعل التلاميذ عاجزين عن التأقلم مع نظام الدوام اليومي، فكان من الواجب إيجاد بديل وتفعيل عملية التعليم عن بعد للحفاظ على الرابطة بين المتعلمين والمحيط الدراسي، لكن ذلك لم يحدث مع سياسة اللامبالاة وغياب الأدوات اللازمة لتحقيق ذلك.

إقرأ أيضا:مفاهيم وتقنيات حول مشروع المؤسسة

وباتت الدروس الخصوصية ضرورة لتحقيق نتائج مقبولة فحسب لأنه من الواضح أن المعلم بات عاجزا عن شرح البرنامج في ساعات معدودة في القسم وهو ملزم بإتمامه.

فمن قبل قدوم جائحة كورونا كان التعليم في الجزائر يعاني من أزمة حقيقية بسبب المناهج التربوية والنظم التعليمية التي خضعت لمشروع الإصلاحات تحت ذريعة النهوض بالمنظومة التربوية ومواكبتها للتطورات التي يشهدها العالم في مختلف الميادين، غير أنها لم تحقق الأهداف التي روجت لها الوزارات المتتالية ولم تحمل معها سوى انسلاخات عن الهوية وتحصيل علمي ضئيل ومستوى معرفي متدن، مع ورود أخطاء كثيرة في مناهج مكثفة تعتمد الحشو ولا تتوافق مع قدرات التلميذ العقلية ولا بنيته الجسدية.

وباتت الدروس الخصوصية ضرورة لتحقيق نتائج مقبولة فحسب لأنه من الواضح أن المعلم بات عاجزا عن شرح البرنامج في ساعات معدودة في القسم وهو ملزم بإتمامه.

مطالب كثيرة للتخفيف من البرامج بعض المواد غير الضرورية خاصة لسنوات الابتدائي في الطور الأول مثل التاريخ والجغرافيا والتربيتين المدنية والعلمية، وهذا الإجراء الفعال والضروري لن يؤثر سلبا بل سيحمل معه نتائج إيجابية ليتفرغ المعلم والتلميذ للمواد الأساسية ويتحكما فيها نظريا وتطبيقيا.

أسس التعليم الصحيح

أول قاعدة يجب التركيز عليها في تنشئة الطفل وتعليمية هي التربية الخلقية لأنها ضرورة لتهذيب النفس وتربية الروح ومن أجل ذلك وضع الإسلام مبادئ قوية لتكوين شخصية سوية، ومن هنا تكون الانطلاقة لتحقيق الأبنية الأربعة للطفل:
1-البناء الديني.
2-البناء الاجتماعي.
3-البناء العلمي.
4- البناء المادي (الحصول على مورد عيش).

إقرأ أيضا:سلسلة حكايات كما يجب أن تروى، الحكاية الثامنة: أليس في بلاد العجائب

الإصلاح التربوي لن يتحقق بغير هذه الأبنية، إذ يحتاج إلى مسايرته الواقع اعتمادا على تحسين وتطویر العملية التربویة والتعلیمیة وفق الظروف المعيشية حتى في فترة الطوارئ.

سلبيات التعليم في الجزائر

أثناء فترة الحجر الصحي اعتمدت أغلب الدول على التقنيات الحديثة في مواصلة عملها وتطوير نشاطها، و ازداد استخدام تقنيات وتطبيقات التواصل الإلكترونية، حتى أن هناك لقاءات ومؤتمرات دولية دورات تدريبية، ورشات عمل تم إنشاؤها في العالم الافتراضي على شبكة الانترنت، وكانت نتائجها إيجابية.

وتواصلت العملية التعليمية في مختلف الأطوار، ووفرت مصادر تعلم جديدة وطرق نوعية لتلقي المعلومات، غير أن الجزائر كانت بمعزل عن هذا الإجراء الفعال.

الدخول المدرسي تم تأجيله لتظل تحديات النظام التعليمي قائمة من غير حلول ناجعة، حيث انتقل النظام التعليمي في العالم بأسره إلى مرحلة جديدة من التطور في حين ما زال هذا القطاع الحساس في الجزائر يراوح مكانه..

حتى الدخول المدرسي تم تأجيله لتظل تحديات النظام التعليمي قائمة من غير حلول ناجعة، حيث انتقل النظام التعليمي في العالم بأسره إلى مرحلة جديدة من التطور في حين ما زال هذا القطاع الحساس في الجزائر يراوح مكانه إذ ظل يخضع لـ:
1- سطوة التيار التغريبي (الفرونكوفوني) وممارسته التي تهدف لضرب المعتقد الصحيح، فلم يتغير محتوى البرنامج وبقي معتمدا مناهج تعليمية مكثفة تخضع لسياسة الحشو ولا تهتم بالنوع بقدر ما تهتم بالكم.
2- الإصلاحات المتسلسلة والتي أثبتت فشلها وعلى كل المستويات سواء ذهنيا أو جسديا، مؤسساتيا واجتماعيا واقتصاديا، حيث أن كل الجهات المساهمة في العملية التربوية تضررت بشكل واضح، التلميذ، الأولياء، المعلم وبقية المنتمين للأسرة التربوية.
3- تعدد المواد الدراسية والتي يمكن تقليصها، مثلا مادة التربية المدنية ما هي إلا مادة التربية الإسلامية بتغيير المصطلحات.
4- إدراج دروس لا تتوافق مع القدرات العقلية للتلميذ.
5- عدم توافق البرامج مع متطلبات المجتمع وتنميته، فالمدرسة فشلت في توفير النظم والقواعد السليمة في إعداد جيل منضبط متحل بالأخلاق الفاضلة، كما أن ما تقدمه من تخصصات لا يتوافق مع متطلبات سوق العمل، فالجانب النظري في التعليم لا ارتباط له بالجانب التطبيقي في العمل فيظهر غياب واضح لتطور الكفاءات.
6- الجدول الزمني للدراسي بتوزيع غير عادل.
7- زج المدرسة في الصراعات، ومحاولة إقحامها في قضايا جانبية ومغلوطة أو اختزال الهوية في مفاهيم بعيدة عن عقيدة المجتمع وتقديم ثقافات مظهرية كبدائل للهوية الأصلية، ومنها تدريس اللغة الأمازيغية باللغة الفرنسية وإن كان ولابد تدرسيها فليكن بحروف التيفيناغ الأصلية، وجدير بالذكر أن هناك عدة لهجات أمازيغية في ربوع الوطن وليست حكرا على منطقة القبائل فحسب ولو فتح الباب لمطالبة كل منطقة بترسيم لهجتها لعمت الفوضى، وعليه فمن الحكمة الرجوع إلى أصل الهوية وهو المعتقد وعدم الانسياق وراء الأصوات الساعية لنشر الفتنة لا غير بل وهدفها ضرب وحدة التراب وعقيدة التوحيد.
8- غياب الإمكانيات والوسائل التعليمية المتطورة.

إقرأ أيضا:اللغة العربية لغة حضارية

استراتيجية تعليمية مقترحة

بات من الضروري وضع خطة بديلة دقيقة علمية وعملية، وعليه فالإستراتيجية التعليمية المقترحة تتوافق مع تبني بدائل للإدارة الحالية لقطاع التربية والتعليم من أجل تحسين المستوى وتشخيص صعوبات التعلم وفقا لمتطلبات العصرنة وأولها “تكنولوجيا المعلومة”:

إن النهوض عمليا بالمدرسة الجزائرية يعني النهوض بالمجتمع ككل وتحسين أداء كل القطاعات فالجميع يبدأ تلميذا ليصير عنصرا فاعلا مستقبلا، وتعمد تهميش التعليم وإلصاق صفة الرداءة به وعزل الكفاءات الذي يوافقه تضخيم النتائج سيكون كارثة يصعب مواجهتها…

حيث يوصى بـ:
1- تجويد التعليم بإعداد برنامج تعليمي متميز له قدرة تنافسية مثلما هو معمول به في فنلندا مثلا.( في الجزائر كفاءات مهمشة قادرة على إعداد برامج بمقاييس علمية).
2- وضع أرضية رقمية تعليمية معتمدة تهتم بالبرنامج السنوي لمختلف الأطوار ولكل المواد الدراسية، وتشكيل أقسام افتراضية رسمية.
3- التوسع في دعم المدارس بأجهزة الحاسب الآلي على كل التراب الوطني.
4- تنمية المهارات التكنولوجية لدى المعلم والتلميذ، وتوفير برامج للتعليم والتدريب على استعمال الحواسيب والتمكن من إدارة التطبيقات وتوظيف التكنولوجيا وتعليم اللغة الانجليزية.
5- التعاون بين الوزارات وأولها وزارة الاتصالات لدعم مشروع المدارس الذكية وتوفير شبكة خاصة بها.
6- دعم اكتساب مهارات التعليم الذاتي والبحث العلمي.
7- الخروج من حيز التعليم المغلق، وتفعيل دور المدرسة في إعداد التلميذ من كل الجوانب بدءا بالتنشئة السليمة وصولا للمعرفة النافعة.
8- الاهتمام بإعادة صياغة الكتب العلمية باللغة العربية كاملة وإزالة الرموز الفرنسية التي أوجدت خلطا في المفاهيم.
9- إلغاء تعليم اللغة الفرنسية المحدودة واستبدالها باللغة الإنجليزية العالمية.

10- وضع آلية مناسبة لتفعيل الشراكة المجتمعية بين المدرسة والأسرة والمجتمع المدني وفق عقيدة وقيـــم وضوابط المجتمع، في إطار التواصل والتشاور والتفاهم والتعاون، من أجل توفير ظروف ملائمة لسير العملية التعليمية والارتقاء بها.

11- إعادة المعلم لمكانته الطبيعية واسترجاع هيبته وتفعيل دوره بجعله مشاركا في وضع القرار التربوي لا مجرد منفذ لقرارات فوقية ارتجالية أو مستعجلة، وتوفير ظروف معنوية ومادية تجعله يتفرغ لأداء مهمته وتبليغ رسالته على أكمل وجه.

12- إجبارية خضوع المعلم لدورات تكوين وتدريب من قبل مختصين، ومحاربة الرشوة والمحاباة في تقديم التقارير، أو منح المناصب.

13- شراكة أولياء الأمور بالمساهمة في تقديم رؤى مستقبلية للمدرسة لا كما هو معمول به الآن في تحديد رؤية انعزالية بعيدا عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تشهدها البلاد

14- إلغاء الانتقال التلقائي لتلاميذ السنة الأولى ابتدائي.

15- تحديد سن الدخول المدرسي بست سنوات وإلغاء القسم التحضيري.

16- تمديد الدراسية الابتدائية إلى 06 سنوات كاملة.

17- إلغاء الدورات الاستدراكية.

إن النهوض عمليا بالمدرسة الجزائرية يعني النهوض بالمجتمع ككل وتحسين أداء كل القطاعات فالجميع يبدأ تلميذا ليصير عنصرا فاعلا مستقبلا، وتعمد تهميش التعليم وإلصاق صفة الرداءة به وعزل الكفاءات الذي يوافقه تضخيم النتائج سيكون كارثة يصعب مواجهتها، وتحديد موعد الدخول المدرسي من غير إعداد العدة وتحديد الخطوات العملية وتوفير برامج نوعية وظروف مناسبة لن يكون سوى فشل آخر يضاف لسجل المنظومة التربوية التي كانت متميزة سابقا وتخرج منها ذات يوم علماء ودكاترة وكفاءات أبهروا العالم بإنجازاتهم، وآن لها أن تستعيد بريقها.


القراءة من المصدر : موقع زاد دي زاد

السابق
التعاقد وآلياته الواقعية لضمان تجاوز صعوبات فردية
التالي
مصطلحات تربوية الجزء 2

اترك تعليقاً