من سينحر كبش العيد يا أبتاه؟

عاد عيد الأضحى بحلته البهية ولم تعد معه إلينا، أفردتنا للذكرى التي ينبعث معها عطر الياسمين الطبيعي ونسيم العود الشرقي الفاخر، على وقع أصوات جلبة تحضيرات العيد، لترتسم ملامحك على حلقات البخور المتصاعدة وتنعكس نظراتك على قطرات الندى في سوالف ورود الزينة الحية يا من تحيا دوما في قلوب أهلك وأحبابك ويزين ذكرك سوالف الحديث.

كلمات راسخة ترن في الآذان، وتسابيح فجر مسفر تمد ترانيمها بأمان، لتعيد على مسامعنا حكايا البذل والعطاء، طرائف المحرومين البسطاء، ومواقف التقاة الكرماء، عود جسدك معها مستحيل، لكن روحك الطاهرة التي لم يعكر صفوها غل أو حسد أو كبرياء ما زالت ها هنا ترفرف حولنا بشذى كرمك الباذخ، وهي تتوق لصدق الدعاء وفي ذلك تسرية للنفس وأعظم عزاء.

في كل لحظة أتساءل هل ستكون فرحة هذا العيد كسابقاتها، من سيسارع لاقتناء الحاجيات لتحضير إفطار يوم عرفة، من سيوقظنا فجرا لنبدأ التكبير والتهليل ونسير جمعا إلى الصلاة، من سيعد قهوة حفصي الأصيلة ويكشف عن ابتسامة عريضة هادئة عند صبح أول يوم عيد؟، تلك الابتسامة البريئة الصادقة التي تدعونا كل مرة للابتهاج والرضى عند تبادل التهاني.

من سيشحذ السكين وتظهر صورته على مرآة مديته اللامعة إيذانا بوقت النحر، حيث نجتمع كلنا كبارا وصغارا، إناثا وذكورا، لنتعاون بسعادة، وكلنا فخر واعتزاز بتعظيم شعائر الله تعالى.

أمي الحبيبة تلمس أشياءك القديمة وتتحسس بصماتك عليها، من يراها يظنها طفلة صغيرة تشكو اليتم، نظراتها المنكسرة، وقلبها السقيم لم يعد يقوى على الفراق وهو يجتر الذكريات بحلوها ومرها، ولم تغد كالسابق بعدما صعب عليها الادراك في حرقة، فبعدك تغيرت الأبعاد والألوان والأشكال، لكنها لم تتغير القناعات، وبهمة سعت لاقتناء أضحية العيد، ليبقى بيتك مفتوحا في الأعياد وتقديسك للشعائر قائما، طلبا للقبول والثواب يا صاحب القوامة والشموخ من زمن الطيبين، يا راحلا إلى عالم أرحب وأبهى نتوسم لقياك فيه بإذن الرحمن.

رغم رحيلك سيظل قربانك حاضرا، هو عهد قطع ولن ينقطع وامي ثابتة عليه، من جهتي سارعت للتجوال بفكري في مكتبة أخي محمد – طيب الله ثراه وأكرم مثواه- واستذكرت ما حدث به محمد بن عبيد المحاربي الكوفي عن شريك عن أبي الحسناء عن الحكم عن حنش عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أَنَّهُ كَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ أَحَدُهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ:” أَمَرَنِي بِهِ يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم”.

هذا القربان من أهل الدار عنك حملني للبحث بحنين وأعود سنوات للوراء، أستجمع شتات ذاكرتي وأتذكر كيف كنت أجلس في حجرك بمرح أمام عتبة بيت عمي الحاج العربي -رحمة الله عليه- وأسألك بعفوية: من سينحر كبش العيد يا أبتِ؟.. سؤال ظننتني أنسبه لأيام الطفولة فحسب، لكنه عاد اليوم ليحيرني بخفاياه لجواب مفقود، فمن سينحر كبش العيد يا أبتاه؟.

هكذا في كل مرة تعود الذكرى طيعة وتزداد تأججا مع كل مناسبة، لننادي عليك يا أبي في رمضان، وفي العيد، ومع إشراقة كل نهار جديد، وتعاقب ليل مظلم، وبوقار ورزانة نعتذر عن مشاغباتنا وشقاوتنا وهفوات الطيش، علنا نكفر عن بعض منها بالوفاء لك وذكرك في كل صلاة.

كن واثقا يا أبي أن كل محبيك ومعارفك سيرفعون يوم العيد أيديهم بالدعاء لك، وهم على يقين الاستجابة، فـنبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم يقول:” إن ربكم حييّ ستّير يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا“، فاللهم أكرم نزل أبي وأخي محمد عندك، واجعل لهما مكانا عليا مع الأنبياء والصديقين والشهداء، وألبسهما الحلل وأسكنهما الظلل، وتغمدهما برحمتك واغفر لهما ولجميع موتى المسلمين وارحمنا يوم نسير إلى ما ساروا إليه، ورحم الله عبدا قال آمين.   

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: المحتوى محمي !!