الشعر و الشعراء

هل غادر الشعراء من متردّمِ؟

هل غادر الشعراء من متردّمِ؟ لطالما حيّرني مطلع معلّقة عنترة، وقديمًا حيّر غيري من المتلقين والشرّاح، إلى أن قرأتُ قصيدةً لجابر بن حُنيّ التغلبي في المفضّليات ففهمت أخيرًا، وأيقنت أنّ مطلع عنترة الشهير ما هو إلا اعتذارٌ يسوقه بين يديّ قصيدة جابر!

وجابر -لمن لا يعرفه- معدودٌ ضمن العصبة الذين رافقوا امرأ القيس في رحلته الأخيرة إلى القسطنطنية، وعندما تمكنت العلّة من الملك الضِلّيل طرحوه في محفّته: فإما تريني في رحالةِ جابرٍ * على حَرَجٍ كالقرِّ تخفقُ أكفاني * فيا رُبّ مكروبٍ كررتُ وراءه * وعانٍ فككتُ الغلَّ عنه ففدّاني.

أنا -بالمناسبة- مفتون بهذه الرحلة الكيخوتية إلى قيصر، ولعلّي أتناولها في عملٍ أدبي مستقبلًا. كيف لا أُفتن، وهي تضمّ ثلاثةَ نفرٍ لا أذهب بعيدًا إن قلت إنّ كل ما تلا رحلتهم من شعر تحدّر من هؤلاء النفر الثلاثة: عمرو بن قميئة الضبعي، وامرئ القيس بن حُجر الكندي، وجابر بن حُني التغلبي.

يا له من ركب! يا له من ركب! أما ابن قميئة فمن أقدم شعراء ربيعة وأثره ظاهر في شعر شعرائها. وأما امرؤ القيس فلا يكاد يخرج شاعر جاهلي أو إسلامي من ابتكاراته وتشبيهاته. وأما ابن حُنيّ -وهو رجلنا- فأزعم أننا ما كنا لنعرف معلقتي عنترة وزهير -على شكلهما الحالي- لولا قصيدةٌ له ميمية!

إقرأ أيضا:“أَمِنْ أُمِّ أَوْفَى دِمْنَةٌ لَمْ تَكَلَّــــــــمِ”معلقة زهير بن أبي سلمى

هذا يقودنا إلى ظاهرة شائكة في الأدب هي التأثير والتأثر، وتكرار المعاني والألفاظ وأحيانا الأبيات، حيث تراوح موقف الناقد العربي القديم ما بين الاتهام بالسرقة، والتبرئة والقول إنّ المعاني مطروحة في الطريق، وإنّه من وقع الحافر على الحافر، وكأنها تهمة تُدفع وتُرد بدل أن تُدرس وتُشرّح.

كان العرب يحفظون الشعر ويتمثّلون به ولا تخلو منه مجالسهم، لذا عندما ينشئ شاعرٌ قصيدةً كان -بالضرورة- يتصارع مع سلسلة من أسلافه الشعريين، مما يولّد إحساسًا بالقلق يدفعه إلى التعميّة أو الاعتراف بالتأثر. خير من درس الظاهرة هارولد بلوم في كتابه قلق التأثر The Anxiety of Influence.

جابر بن حُنيّ سلفٌ لعنترة وزهير زمنيًا وشعريًا. يقدّر الدارسون رحلته مع امرئ القيس ما بين ٥٣٠-٥٥٠ للميلاد. قصيدته التي نحن بصددها أنشأها اعتراضًا على المنذر بن ماء السماء حين فرض الإتاوة على قبيلته تغلب. أما معلقتا عنترة وزهير فتدوران في زمن داحس والغبراء (٥٦٠- ٦٠٠).

يقول جابر: ألا يا لقومي للجديد المُصرّمِ * وللحلم بعد الزلّة المُتوَهّمِ * وللمرء يعتاد الصبابة بعدما * أتى دونها ما فرطُ حولٍ مُجرّمِ ؛ مطلع بديع، يشكك بجدوى الحلم إن جاء بعد الزلّة لا قبلها، وإن كان نتيجةً لها لا عاصما منها. يخبرنا أيضا أنّ جابرا استدبر شبابه حين أنشأ القصيدة.

إقرأ أيضا:“زمان الوصل بالأندلس” لسان الدين بن الخطيب

ثم يقول: فيا دار سلمى بالصريمةِ فاللِوى * إلى مدفعِ القِيقاءِ فالمتثلّمِ * ظلِلتُ على عِرفانِها ضيفَ قفرةٍ * لأقضيَ منها حاجةَ المتلوّمِ * أقامت بها بالصيف ثم تذكّرت * مصايرها ما بين الجِواءِ فعيهمِ ؛ أول ما يلفت النظر اشتراك القصيدة مع معلقتي عنترة وزهير في قافية الميم المكسورة.

إذا كان الوزن نصف موسيقى الشعر العربي القديم، فإنّ القافية نصفها الآخر. ليس هذا وحسب، بل إنّ معلّقة زهير تشارك قصيدة جابر بحرها الطويل، ثمّ إنّ القصائد الثلاث تسمّي نفس المواضع وتبكي على نفس الديار، في بقعة جغرافية تمتد حاليًا ما بين الفويلق وعيون الجواء بالقصيم.

هل هذه مصادفة؟ لا أظنّ! نعلم أنّ القصائد التي تتناول ديار المرء أجرى على لسانه وأقرب إلى حفظه. وكأني بعنترة وزهير حين أرادا أن ينشآ القصيدة التي تتوج شعرهما، كان أسهل شيء جريًا على لسانهما هذه الموسيقى التي أبدعها ابن حُنيّ والتي لطالما ردداها في معاهد الصبا بين الجواء والمتثلّم!

لا تمدّ قصيدة جابرٍ عنترةَ بقوافيه وبأماكن بكائه وحسب، بل تزوّده أيضًا بجملة صالحة من التراكيب والتشبيهات. يقول جابر : ظللتُ على عرفانها ضيفَ قفرةٍ * لأقضيَ منها حاجة المتلوّمِ ؛ ويقول عنترة: فوقفت فيها ناقتي وكأنها * فدنٌ لأقضي حاجة المتلوّمِ ؛ فهذه واحدة!

إقرأ أيضا:“أَمِنْ أُمِّ أَوْفَى دِمْنَةٌ لَمْ تَكَلَّــــــــمِ”معلقة زهير بن أبي سلمى

يقول جابر: أنافت وزافت في الزمام كأنها * إلى غرْضِها أجلاد هرٍ مؤومِ ؛ ويقول عنترة: وكأنما ينأى بجانب دفّها ال*وحشيّ من هزجِ العشيِّ مؤوّمِ * هرٍ جنيبٍ كلما عطفت له * غضبى اتقاها باليدينِ وبالفمِ ؛ قد تعترض وتقول هذا معنى شائع، نجد نظائر له في شعر امرئ القيس وأوس بن حجر والأعشى.

صحيح، لكنّ هذا التشبيه الذي يخيّل هرًا تحت حزام الناقة يخدشها فيزيدها سرعةً يرد بصيغ مختلفة: هو تارةً هرٌ جنيب عند امرئ القيس، وتارةً مشجّر، وتارةً ابن آوى عند أوس بن حجر، وتارةً سِنّور، أما هذا الهرّ المُؤوّم عظيم الهامة قبيحها فلا يرد إلا عند جابر وعنترة كما أستحضر. فهذه ثانية!

ثم تتوالى الشواهد، فعندما يقول جابر: نعاطي الملوك السِلمَ ما قصدوا بنا * وليس علينا قتلهم بمحرّمِ ؛ يقول عنترة: فشككت بالرمح الأصمّ ثيابه * ليس الكريم على القنا بمحرّمِ ؛ وعندما يسوق جابر لفظةً فاتنةً في موضعها، كقوله: أنافت “وزافت” في الزمام كأنها * إلى غرضها أجلادُ هرٍ مؤوّمِ =

يبلغ افتتان عنترة بها أن يستخدمها في معلقته مرتين فيقول: خطارةٌ غِبّ السُرى “زيّافةٌ” * تطِس الإكامَ بذات خُفٍ ميثمِ ؛ ويقول: ينباعُ من ذفرى غضوبٍ جسرةٍ * “زيافةٍ” مثل الفنيق المكدمِ. لا تقتصر شواهد التأثر على الموسيقى والتراكيب والألفاظ وحسب، بل تتجاوزها إلى رسم مشاهد القتال.

مشاهد عنترة الحربيّة تمتاز بالحركة العالية، حتى لكأنك تشاهد لحظات النزال -وكيف يسقطُ فارسٌ عن فرسه- بعينك أو بالكاميرا. هذه الحركة العالية أظهر ما تكون في معلقته مقارنةً بباقي قصائده، وأظنه استفادها من قصيدة جابر حين وصف يوم الكُلاب وكيف أسقطوا شُرحبيل بن الحارث من فرسه.

يقول جابر: فيوم الكلاب قد أزالت رماحنا * شرحبيل إذ آلى أليّة مُقسمِ * لينتزعنْ أرماحنا فأزالهُ * أبو حنشٍ عن ظهر شقّاءَ صلدمِ * تناوله بالرمح ثمّ اتّنى لهُ * فخرّ صريعًا لليدينِ وللفمِ ؛ ولا يخفاك أنّ هذا التركيب الأخير (لليدين وللفم) استعمله كلا من عنترة وزهير في تنويعات مختلفة.

وكما تأثّر عنترة بقصيدة ابن حُنيّ، تأثّر زهيرٌ أيضًا، فأنشأ معلقته على نفس البحر، واختار لها نفس القافية، وذكر المتثلّم فيما ذكر من مواضع، لكنّه كان أكثر حذرًا وأشدّ انزعاجًا من قلق التأثر، فأخذّ يعمّي خلفه ويستخدم تراكيب وصور جابر بعد أن يفككها ويضعها في معانيَ بعيدة.

فمثلًا عندما قال جابر: وكانوا هم البانين قبل اختلافهم * ومن لا يشد بنيانه يتهدمِ ؛ قال زهير: ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه * يُهدّم ومن لا يظلم الناس يُظلمِ ، ومثلًا عندما قال جابر واصفًا ناقته: تصعّدُ في بطحاء عرقٍ كأنما * ترقّى إلى أعلى أريكٍ بسلّمِ =

أُعجِب زهير بهذا السلّم الخيالي، فاستخدمه كي يرقى أسباب السماء: ومن هاب أسباب المنايا ينلنه * وإن يرقَ أسباب السماءِ بسلّمِ ؛ وأيضًا عندما أراد زهير أن يحذّر من الحرب أتى بمعنى عجيبٍ بعيد: فتُغلل لكم ما لا تُغِلّ لأهلها * قرى بالعراقِ من قفيزٍ ودرهمِ =

معنى عجيب، يتركك تتساءل: ماذا أتى بقرى العراق هنا؟ ثم تفهم حين تتخيّل زهيرًا ممتلئا بقصيدة ابن حُنيّ وهو يعالج معلقته ويحككها قرابة حول، لا بدّ أنّه استحضر قول جابر: وفي كل أسواق العراقِ إتاوةٌ * وفي كل ما باع امرؤٌ مكسُ درهمِ ؛ أعجبه فغرف منه!

ها هنا نموذجان مختلفان لقلق التأثير: عنترة وهو يعترف بدينه في مطلع معلقته: هل غادر الشعراء من متردّمِ؟ وزهير وهو يحكك وينقّح ويحاول أن يعمّي خلفه قرابة الحول. لا أشكّ أنّ كلا المعلقتين تفوقان قصيدة جابر بمراحل، فبينما انشغل جابر بالمنافحة عن قومه -وهو معنى محمود لكن شائع- =

ارتفع عنترة وزهير بمعلقتيهما إلى درجتي الخلود والعالمية؛ عنترة حين دحاها بفردانيته وحضوره الهائلين، وزهير حين جعلها معزوفةً ضد الحرب تحذّر منها وتدعو إلى نبذها. لكنّ كلا المعلقتين -وإن أجهزتا على جابر تماما- تصطبغان بدمائه وبمفرداته وبتراكيبه وبمعانيه وكأنهما خضبتا بالعِظلم!

تعلمون أني مفتون بامرئ القيس، مغالٍ بتفضيله، زاعمٌ أنّ الشعراء عيالٌ عليه لا يخرجون من معانيه، وها أنا لم أكتب مرافعتي الطويلة هذه إلا لأقول إنّ عنترة وزهير -وهما هما في ميزان الشعر العربي- لم يبلغا ما يخولهما كي يكونا عيالا على امرئ القيس، وإنما على الرجل الذي ساق محفّته

من حساب عدي الحربش

السابق
مصعب بن عمير رضي الله عنه
التالي
من روائع ما قال الإمام الشافعي رحمه الله

اترك تعليقاً