هل كان العلامة ابن باديس اندماجيا؟ 1/2
ابن باديس

كلمة اندماجي في العرف الجزائري تطلق على من كان يدعو إلى إدماج المجتمع الجزائري في المجتمع الفرنسي خلال الفترة الاستعمارية، ودعاة هذه الفكرة يعرفون بالنخبة، التي قال عنها جون جويس، ما استطاعوا اللحاق بالفرنسيين، ولم يقدروا على المحافظة على أصولهم، أما الجزائريون فينعتونهم بـ”بني ويوي”؛ وولاء هذه الفئة للثقافة الفرنسية شائع ومعروف، واعتقادهم بعدم قدرة الجزائريين على الإستقلال تحصيل حاصل فيما بينهم ، وما دام الأمر كذلك، فينبغي أن يركز على الحقوق التي على الدولة الفرنسية تجاه الجزائريين، فتمنحهم حق المواطنة بجميع أبعادها، سياسية كانت او أجتماعية او ثقافية، حتى يعم العدل والإنصاف، وينال الجزائريون حقوقهم!!

وهذه النخبة لم تقف عند هذا الحد؛ بل اندمجت في العملية السياسية بكل قوة اعترافا بواقع النظام السياسي القائم، وتناضل في إطاره من أجل نيل الحقوق الضائعة للمجتمع الجزائري من خلاله، وذلك فيما دون الاستقلال بطبيعة الحال.

وفي مقابل هذه المجموعة يوجد تيار آخر، وطني أصيل أسس للمقاومة السياسية على يد الأمير خالد، وتطور بعد ذلك في إطار نجم شمال إفريقيا وحزب الشعب وحركة الانتصار، على يد مصالي الحاج وإخوانه، وهذا التيار لم يعترف بهذا الخيار وإنما قاومه بمصطلح الإستقلال.

والشيخ عبد الحميد ابن باديس رحمه الله، ليس ضمن هذين التكتلين، مع بقائه على الصلة بيهما معا، حيث كان واحد من الذين كانوا في تلك المرحلة، يجاهد ويناضل بطريقته المختلفة عن اولئك الاندماجيين، ومختلفة أيضا عن الفريق الثاني، وهذا فضلا عن أنه كان أحد رواد الإصلاح في العالم الإسلامي، وباعث الحركة العلمية والنهضوية في الجزائر، خلال نصف قرن من الزمان، ولكن ما تركه من آثار وأفكار وبصمات في واقع الناس، يوحي بجهود مجموعات من العاملين لقرون طويلة، وليس جهد شخص لسنوات فحسب، وكما قال الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي عنه في مجال تعليم العربية، من تعلم العربية في العهد الإستعماري الفضل كله لابن باديس، الذي بدأ تعليمها للناس ابتداء من سنة 1913 في الجامع الأخضر، بحيث لم يمر أكثر من عشر سنوات حتى أصدر أول جريدة له وهي جريدة المنتقد في عام 1925، وكأنه شعر بأن قراء العربية بلغوا النصاب الذي يجب أن يصله الخطاب الباديسي فأصدر لهم جريدة، وبعد أقل من عشر سنوات أخرى، كانت مبادرة جمعية العلماء وكأنه شعر بوجود نخبة على المستوى الوطني تحتاج إلى تأطير ووعاء تلتقي فيه.

وقبل هذه المرحلة كانت هناك أعمال تقوم بها الزوايا وحملة الهم الإعلامي، ولكنها لم ترتق إلى مستوى الفعل الممنهج الذي يقوم بالفعل ويهدف إلى غاية أكبر…، مثلما فعل ابن باديس.

فقد كانت الزوايا تعلم اللغة العربية وتحفظ القرآن، وكانت هناك جرائد ومجلات تصدر بالعربية يومها، ولكن هذه الجهود لم تكن بالغاية الهادفة بدقة كما كان يرسم لذلك ابن باديس وصحبه، باستثناء انشطة أهل ميزاب فقد كانت متميزة في ذلك في إطار نخبهم.

فابن باديس واحد من علماء العالم الإسلامي، ولكنه يختلف عن غيره من علماء عصره في تعامله مع الوحي وتناوله لقضايا الدين والفكر  الديني، وفي علاقته بالحياة الدنيا عموما، فهو من القلائل من رجال الإصلاح الذين وُفِّقوا في فهم الإسلام فهما مُحَيَّنا مختلفا عن الموروثات المستنسخة عبر العصور، بل ووفق في عرض هذا الإسلام بأفق إنساني يحتاج إليه كل محب للخير مهتم بحاضر الإنسان ومستقبله في شرق العالم وغربه.

لم أصبر على عرض هذه الفقرات التي من المفروض أن مكانها آخر البحث؛ لأنها نتيجة للبحث وليست مقدمة له، ولكن نفسي لم تطاوعني لأصبر إلى نهاية الكلام حتى أجيب عن سؤال العنوان: هل كان ابن باديس اندماجيا؟

وأكثر من ذلك لم تطاوعني نفسي أيضا بأن أفترض أن ابن باديس كان اندماجيا!! لمكانة الرجل في حركة الإصلاح والنهضة والحركة العلمية في الجزائر خاصة، ومع ذلك قلت في نفسي أفترض جدلا أن ابن باديس كان اندماجيا، استنتاجا مما كتب من كلام يوحي برضاه عن فرنسا وتقديره لها ولجهودها في الجزائر…، كما يروج لذلك الحاقدون عليه وعلى آثاره التربوية بنشر مقطوعات من كلامه مجتزأة من مقالات كثيرة كقوله “فنحن ندعو فرنسا إلى ما تقتضيه مبادئها الثلاثة التاريخية “الحرية والمساواة والأخوة” من رفع مستوانا العلمي والأدبي بتعميم التعليم”، و”علينا تأسيس جمعية دينية إسلامية تهذيبية تعين فرنسا على تهذيب الشعب وترقيته ورفع مستواه إلى الدرجة اللائقة بسمعة فرنسا ومدنيتها وتربيتها للشعوب وتثقيفها؟ فإذا كان هذا ما ينقمون علينا فقد أساءوا إلى فرنسا قبل أن يسيئوا إلينا”، و”يقولون أن في جريدة الجمعية دعوة إلى فصل الجزائر عن فرنسا. فأجبته بأن هذا الفصل لم يفكر فيه أحد من الجمعية فلا وجود له – قطعا- في جريدة الجمعية”، في معرض عرضه لحوار جرى بينه وبين فرنسي…

هذا الكلام قاله ابن باديس وقال غيره، وأعاد نشره الناقمون على ابن باديس علهم ينالون منه؛ بل وأطلقوا صفحة على الفايسبوك أعطةها إسم “جمعية العلماء الأصلية” أو جمعية العلماء الأصيلة”، فهو الرجل الذي لم يجد القوم ما ينقمون به عليه إلا مثل هذه اللقطات، وكفى بالمرء علوا وارتفاعا أن تعد معايبه، على فرض أن ما قاله غير قابل للتأويل.

فكرة الإجابة عن هذا التساؤل لم تبدأ من عندي هكذا ارتجالا، وإنما مرت بمخاض طويل وعسير، حيث وجدتُ بعض الأصدقاء والأحباب من الذين بقوا حيارى فيما يعرضه المغرضون ومتتبعوا العورات من أقوال اين باديس التي كتبها خلال سنوات نشاطه العلمي والدعوي، وفي خضم المعارك التي خاضها ضد فرنسا وأذنابها في حياته 1913-1940.

ولمعرفتي بالرجل وادبياته ومنهجه في العمل الإصلاحي، وبحكم أن هذا الذي يشاع لم يغير من موقفي ورأيي في شيء من ابن باديس رحمه الله وأعماله، قررت أن أكتب شيئا أساهم به في الكشف والتوضيح لما يراه البعض مربكا.

وإلى جانب هذه الإرادة التي تهدف إلى توضيح المبهم، تجدر الإشارة أيضا إلى أنني لم أفكر في الكتابة في الموضوع لمعالجة قضية شككت فيها تجاه ابن باديس وآرائه ومواقفه؛ لأنني أعتقد أن أمثال ابن باديس من الذين يدافع عنهم الله كما قال تعالى (إن الله يدافع عن الذينن آمنوا) ومن كان هذا شانه من أولئك الخصوم، أرى أن المناسب من المواقف معهم المثل الشعبي القائل: “لا يضر السحاب نبح الكلاب”.

وما دفعني للكتابة أيضا وألح عليّ هو أصرار بعض الإخوة علي بالكتابة دفعا للشبه وتنويرا للرأي العام وأبناء الجمعية تحديدا، من الذين قد تزعزعهم تلك المقولات المبتورة، فخضعت للطلب وتوكلت على الله.

يتبع الجزء الثاني.


بقلم: الأستاذ التهامي ماجوري/ القراءة من المصدر.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: المحتوى محمي !!