هل كان العلامة ابن باديس اندماجيا؟ 2/2
ابن باديس

طلب مني الأستاذ حسن خليفة صراحة أن أكتب شيئا في هذا الموضوع؛ لأن ما ينشر عن الشيخ من نصوص مقتطعة من مكانها وزمانها توهم الناس بغير ما يعرفون عن ابن باديس، وكذلك قال لي الأخ الفاضل محجوب برضوان، لم استطع فهم بعض النصوص التي قرأتها لابن باديس رحمه الله؛ بل إن الأستاذ حسن خليفة، لما وعدته بالكتابة وطال الأمر لامني وعاتبني؛ لأن الأمر لا يتطلب التأخير، وكما يقول فقهاؤنا “لا يجوز تأخير البيان عند الحاجة”.

وتأخري في الكتابة ليس له مبرر إلا ضيق الوقت وكثرة الالتزامات، ومع ذلك شرعت في كتابة رسالة في الموضوع لأوضح فيها كل ذلك –وليس مجرد مقال-، بطريقة علمية عملية رسالية بجميع أبعادها، وهذا الموضوع هو فاتحته والمقدمة الموضوعية للرسالة التي أنوي نشرها بعد إتمامها.

وقد اعتمدت في بحثي هذا تتبع مثل تلك النصوص وجمعها ودراستها ووضعها في أطرها الزمانية والمكانية، ووفق منهج ابن باديس نفسه، وطريقته في النضال، فكان من بين ما توصلت إليه هو أن من أراد فهم مثل هذه النصوص لا بد من النظر في طريقة ابن باديس في نضاله الإصلاحي والسياسي والتربوي، فحاولت الدراسة وضع تلك النصوص وغيرها في أطرها المنهجية؛ لأن الرجل لم يكن يلعب؛ بل كان صاحب رسالة، وصاحب الرسالة له مبادئ ووسائل وغايات، وكل ما يقوله ويفعله لا يمكن فصله عن تلك المبادئ والوسائل والغايات.

فابن باديس داعية مصلح، مارس السياسة بصدق المناضل والمثقف العضوي كما يقال، وبطريقته التي لا تتساوى بالضرورة مع طرق غيره من السياسيين…، وله قضايا مبدئية وغايات دينية واخلاقية لم يحد عنها قيد أنملة، وله مواقف سياسية تكتيكية قد تبدو مختلفة ومغايرة عن تلك المبادئ؛ لأنه في حرب والحرب خدعة، وأبرز ما لاحظته في تتبعي للنصوص التي يراد لها أن تكون نصوص إدانة للشيخ، فوجدت أن الرجل سبق العالم في الكلام عن واجب الاستعمار تجاه الشعوب المستعمرة، التي طلعت بها  مقررات المجتمع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، وتبنتها المؤسسات الدولية ومنها الأمم المتحدة.

هذا الكلام غير موجه للذين لهم مواقف ومبادئ سلبية من ابن باديس؛ لأن هؤلاء لا يمكن إقناعهم لأنهم اتخذوا السبيل المناسب لطبائعهم وأخلاقياتهم، وسيجدون ألف عيب في ابن باديس وعشرة آلاف عيب فيمن يدافع عن ابن باديس…؛ لأنهم مرضى… مرضى الأحقاد والعمى الأيديولوجي، الذي لا يسمح لهم برؤية الحقيقة التي تصدر عن غيرهم، ولو قلنا لهم إن ما نقلتموه وتروجوه عن ابن باديس ليس هو الحقيقة، إذ كان مقصوده غير ما فهمتم، لقالوا لنا هو عالم دين ما دخله في السياسة ولو قال لا دخل لي في السياسة لقيل عنه ليس وطنيا؛ لأنه لا يهتم بشؤون قومه! وسيجدون ألف حجة على ما يقولون كما قيل عن ابليس عليه لعنة الله لما أمر الله بالسجود رفض وخاطب الله قائلا “إنك امرتني بألا أسجد لغيرك”! المهم ابن باديس “مذبوح في العيد ولاّ في عاشوراء”  كما يقال

وإنما المقصود بهذا الكلام، هم الذين وقعت لهم إشكالات في فهم كلام قاله ابن باديس في مرحلة من مراحل حياته أو في مناسبة من المناسبات أو قاله لغايات محددة لتحقيق مصلحة ما، ومع ذلك نفترض أن ابن باديس أخطأ في لفظة أو قول أو موقف، ظنا منه أنه يحقق مكسبا، هل يحكم على الرجل بإعدام مكاسبه ونجاحاته كلها لأنه أخطأ في تقدير ما؟

لكن ما أنا متيقن منه أن قراءتنا لما ترك الرجل توحي بأنه لم يخطئ ولم يقل ما يؤثر على مساره، إذا وضغ ما قاله في زمانه ومكانه والغاية المفترضة لهذا القول أو ذاك أو هذا الفعل أو ذاك.

فابن باديس لم يكن اندماجيا كما ذلكنا ذلك عن فئة النخبة التي صدرنا بها هذا الكلام، وإن قال ما يوهم بذلك لغرض ما أو في ظرف ما، وما ينقله عنه المغرضون، تمنيت لو كانوا أمناء ونقلوا النصوص بكاملها ولم ينقلوها مجتزأة من أصولها، وأنا أدعو هنا كل من أراد أن يراجع أية مقولة قيلت بالعودة إلى النص الذي كتبت فيه ليقف على السياق الذي يعطي للكلمة المعنى الحقيقي المراد…، فلو قال أحدنا “ويل للمصلين” وهي جزء من القرآن، لقنا له اتق الله أيقول الله هذا وهو يأمر بإقامة الصلاة!!

وعجبي يزداد عندما أرى أن بعض الذين يروجون هذه الأمور عن ابن باديس هم أنفسهم الذين يدافعون عن مصالي الحاج رحمه الله، عندما حكم الناس عليه بما انتهى إليه في حياته، وأعدموا نضاله بموقفه الأخير من الثورة…، ألا يليق بهؤلاء أن يعدلوا مواقفهم في الموضوع، فيحكمون على مصالي بالخيانة كما يريدون أن يلمزوا ابن باديس؟ لا سيما وأن تهمة الحاج مصالي ثابتة بتأسيسه للحركة الوطنية الجزائرية التي يقتل أتباعُها المجاهدين، اما ابن باديس فلم يصل إلى هذا المستوى، ولا لنصفه ولا لربعه وسدسه.

ولذلك أدعو هؤلاء المروجين عن ابن باديس، أن يعدلوا في القول وفي الفعل، ومن العدل أن نقرأ التاريخ بزمانه ومكانه وما يحيط به من أحداث…، فالدارس العاقل لا يقول عن مصالي خائن؛ لأنه من المؤسسين للخطاب الوطني الاستقلالي، وهل يمكن لمؤسسٍ للخطاب الوطني  الاستقلالي أن يكون خائنا لمجرد أن كان له موقفا سياسيا مخالفا في قليل أو كثير؟ ولذلك من الأفضل أن نرى أن ما وقع من مصالي وأتباعه نتيجة خلافات سياسية بين الأشقاء ضللت بعضهم، وقمعت بعضهم الاخر، وربما جرأت غير ذينك الصنفين على إخوانهم… فكانت نهاية أكبر قائد لأول حزب سياسي وطني استقلالي التوقف عند إعلان الثورة، ليس هنا بحث الموضوع، ولكن استبعاد الخيانة أراه هو الأولى في العدل مع رجالنا، وكذلك يقال عن ابن باديس هل يمكن لمن قال “الجزائر لا تريد ان تكون فرنسا، ولن تكون فرنسا ولو أرادت”، أن يضع الثقة في فرنسا أو يعتبرها قدوة له ولشعبه؟

وتفسير ما قال ابن باديس وفعل، هو موضوع الرسالة التي أنا عاكف هذه الأيام على تأليفها انطلاقا من طبيعة ابن باديس صاحب المنهج التغييري المتوازن…، وابن باديس المبدئي الرسالي… وابن باديس السياسي التكتيكي غير الحزبي… لنكتشف في النهاية ابن باديس السياسي الذي لم يؤسس حزبا ولكنه صنع منظومة ثقافية لشعب كاد يباد، فبعد قرن من الاستعمار استعملت فيه فرنسا كل جرائم المسخ 1830/1913، فانطلق هذا الرجل في التأسيس لمسح ذلك المسخ ابتداء من البذور الأولى التي كان يصنع بها الرجال وهي التربية والتعليم.

اطلع على الجزء الأول


بقلم: الأستاذ التهامي ماجوري/  القراءة من المصدر.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: المحتوى محمي !!