التعليم العربي بين الأزمات والتحديات
التعليم العربي بين الأزمات والتحديات

تحديات المدارس العربية

مع ظهور جائحة كورونا زادت تحديات المدارس العربية جراء الظروف الصعبة والتعقيدات التي صارت تحيط بالعملية التربوية التعليمية، في ظل إصلاحات متعاقبة للنهوض بالمنظومة التربوية، و إدماج مناهج جديدة لم تحقق الأهداف المسطرة رغم ما استنزفته من ميزانيات مادية ضخمة وطاقة معنوية.

الملاحظ أن المناهج المعتمدة توظف لخلق مفاهيم ومعارف لا تتوافق مع القدرات العقلية والجسدية للتلميذ، بالاهتمام بالكم لا النوع، وإلزام الطفل بحمل حقيبة ظهر قد تفوق وزنه، فضلا عن محاولة طمس الهوية واستهداف مقومات الأمة وتشويه تاريخها بدعوى الإنفتاح وتقبل ثقافة الآخر كأسلوب حضاري.

أزمات التعليم في العالم العربي

تشهد معظم المدارس العربية جملة من المشاكل انعكست سلبا على المستوى التعليمي، أبرزها ما يلي:

البيئة التعليمية بين النقائص والضغوطات

أقسام مدرسية تحت أسقف متداعية وبين جدران متهالكة، تعاني من النقص الحاد أو غياب أغلب المستلزمات التعليمية، فهي تفتقد لوجود مكتبتات ومخابر مجهزة، ومازالت تنتظر منذ عقود توفير الموارد المالية والبشرية اللازمة للنهوض بالتعليم ومواكبة التطورات التكنولوجية وأساليب التدريس الحديثة المستخدمة على المستوى العالمي أجل إعداد وتخريج أجيال مؤهلة لاقتحام سوق العمل بكفاءة.

كما تعاني المدارس من الاكتظاظ، ومن جانب آخر يظل عدد من المناطق النائية يعاني العزلة وغياب التنمية، فبعض القرى لا توجد بها مؤسسات تربوية بالأساس، مما يجبر الأطفال على السير مسافات طويلة وقطع عشرات الكيلومترات يوميا للإلتحاق بفصولهم، في حين ينقطعون تماما عن الدراسة في فترة هطول الثلوج أو هطول الأمطار الغزيرة وما يصحبها من انزلاقات في التربة يؤدي إلى غلق الطرقات أ و انسداد المنافذ.

مخطط إصلاح التعليم وعبء التنفيذ

يشهد الأداء في المدارس العربية ضعفا في المستوى منذ سنوات، مما خلق فكرة مشروع إصلاح التعليم لتحقيق نظام تعليمي فعال، يدعم معايير تربوية مستحدثة في بيئة تعلمية متطورة تركز على التلميذ وتجعله محور العملية التعليمية في إطار ما يسمى بالمنهاج المنقح الجديد، الذي لم يعرف استثمارا ميدانيا وظل مجرد قرارات وخطط مستقبلية بعيدة عن التطبيق الفعلي.

ضعف المناهج تعليمية

تتبنى المناهج التعليمية المعتمدة في المدارس العربية سياسة الحشو، والإهتمام بالكم لا النوع، ويجبر التلميذ على ابتلاعها دون هضم المعلومة، وما يزعم أنه إصلاحات لم يكن سوى محاولة أخرى لطمس الهوية وفرض أفكار تتنافى والقيم الاجتماعية وأساليب التربية السليمة، مثل محاولة إدراج العامية عوض اللغة العربية، وضع نصوص مخالفة مثل نص الأب السكير، ونص وصف حورية البحر بطريقة غزلية لأطفال لا يملكون ملكة التمييز بين الصواب والخطأ.

كما تم تهميش أهم مادة في المقرر وهي مادة التربية الإسلامية حتى تم تقليص حجمها الساعي لساعة واحدة أسبوعيا ليظهر ذلك جليا في الوسط المدرسي حيث ينعدم الاحترام، وتنتشر مظاهر العنف والتنمر، بل أكثر من ذلك بتبادل فيديوهات إباحية وارتداء ملابس فاضحة زد على ذلك نكتا منحطة، تدخين وحتى بيع واستهلاك للمخدرات، وكل هذه المظاهر دخيلة على مجتمعات تدين باللإسلام الذي حدد كل تعاملات الحياة وحدد الضوابط الشرعية لأي فعل أو قول.

ويرى عدد من المحللين والخبراء أن هذه المناهج المقحمة لها أبعاد سياسية وأيديولوجية

الهيمة والتبعية الاستعمارية تتواصل بعد الاستقلال

سعى الاستعمار في العالم العربي والإسلام بكل الوسائل إلى تغيير بنية التعليم والتربية كجزء من مخطط واسع للفصل بين الإنسان ومقوماته الحضارية بهذه الدول. (1)

فالاستعمار الفرنسي الذي عمل بالأمس على تجهيل شعوب المغرب العربي بجيوشه العسكرية، مازال اليوم يعمل على صياغة مشاريع إصلاح التعليم، ويحاول جاهدا لاحكام قبضته على تشكيل المنظومة الفكرية والثقافية لها.

ففرض اللغة الفرنسية لتدريس المواد العلمية يعد أداة هيمنة مباشرة، وحجة أن ذلك يساهم في تجويد التعليم مجرد ذريعة لأن اللغة الفرنسية ليست لغة علم أو حضارية ولا توجد أبحاث علمية نوعية كثيرة بها، وليس لها قواعد واضحة أو ثابتة، فمثلا الأعداد بالفرنسية تعتمد على جمع بعضها كقول تسعون بالعربية يقابلها بالفرنسية “quatre-vingt-dix-neuf” أي أربع عشرينات عشرة تسعة وهذا ما يوضح عجزها وافتقارها للمفردات الدقيقة، فضلا عن التقارير المؤشرات العالمية لقياس جودة التعليم الأساسي في العالم، والتي تكشف كل مرة ضعف مستوى التحصيل الدراسي والقراءة لطلاب التعليم الأساسي للمرحلة الابتدائية في فرنسا، وفي السياق ذاته أصدرت صحيفة لوفيغارو (Le Figaro) الفرنسية، مقالا بعنوان فرنسا أضعف تلميذ في الرياضيات في القسم الأوروبي، حيث أشارت أن الأرقام الحديثة التي نشرتها إدارة التقييم والاستبصار والأداء Direction de l’évaluation, de la prospective et de la performance [DEPP] ، بعد دراسة مفصلة لاختيارات الدورات التخصصية التي يقدمها طلاب الصف الأولى ثانوي و النهائي العام (terminale générale) منذ إصلاح البكالوريا، بداية العام الدراسي 2021 ، اختار 37٪ فقط الرياضيات تخصصًا لهم، وهذا أقل مما كان عليه في عام 2020 ، عندما اختار 41٪ من طلاب السنة النهائية الاحتفاظ بالرياضيات كواحدة من دورتين متخصصتين بالإضافة إلى المواد الأساسية المشتركة واللغتين الحديثتين الإجباريتين” (2)

هذا اللوبي الفرنسي الذي وجد الطريق معبدا لفتح مدارس خاصة وتهديم التعليم الحكومي على حساب المواطن البسيط بتواطئ جهات نافدة، يستمر في التدخل في المناهج الدراسية وتهميش الكفاءات الوطنية

المعلم .. ضحية السياسات الفاشلة

نجاح العملية التربوية التعليمية يعتمد كثيرا على المعلم، لكن المعلم العربي يعيش في محيط لا يحفزه على الإبداع والبحث وتقديم الأفضل، لأنه يجد نفسه مجبرا على الانشغال باستكمال تحصيل لقمة العيش بعمل إضافي بعد الدوام، حتى يغطي على نفقات الإيجار، والمواصلات، وغيرها، لاسيما أن الراتب، فمعلم الابتدائي في الجزائر يقبض شهريا 3 ملايين سنتيم أي ما يعادل 213,36 دولار وهذا المبلغ بالكاد يغطي ضروريات الأكل والشرب لاغير.

والمشكل الآخر يتمثل في نقص التعيينات فالميزانيات المتاحة لا تسمح بتعيين الأعداد المطلوبة، وهذا ما يخلق عجزا دائما وفراغا تعليميا في المدارس.

المشاكل الإدارية

الهياكل التنظيمية والإدارية، تفتقد للوسائل الحديثة والدورات التكوينية والتدريبية المستمرة، علاوة على مشكل البيرقراطية والمحسوبية، وتعطيل الملفات.

التعليم في زمن الصراعات والحروب

أما في بؤر التوتر الأمني فالوضع حرج جدا، فالحروب والنزاعات حولت الحياة إلى جحيم، والتعليم صار حلما بعيد المنال، فالأطفال عادة هم أول ضحايا الصراعات بكل أنواعها.

التعليم في اليمن

مثلا، جاء بيان صادر عن منظة اليونيسف:” منذ تمّوز/يوليو 2017، تمّ تدمير 1600 مدرسة بشكل جزئيّ أو كلّي، واستخدمت 170 مدرسة لأغراض عسكرية أو كمأوى للعائلات النازحة. وما يقدر عدده بـ2 مليون طفل هم منقطعون عن المدرسة(3).

التعليم في العراق

وفي تقرير آخر لليونيسف تؤكد أن العراق ألحق الاقتتال الضرر بالخدمات الأساسيّة أو سبّب إغلاقها بما في ذلك المدارس ومرافق المياه والطّبابة، كما أنّ جُلَّ من أرغم على النّزوح، ولاسيما الأطفال منهم، في أمسّ الحاجة للدعم النفسيّ بعد تعرّضهم للقصف والاقتتال والانفجارات في بلداتهم التي كانوا يقطنونها، وأن 3 ملايين طفل عراقي خارج المدارس.

التعليم في سوريا

وفي سوريا تؤكد الجهة ذاتها أن حوالي 2.45 مليون طفل في سوريا و750 ألف طفل سوري إضافي في الدول المجاورة لا يذهبون إلى المدرسة، من بينهم 40 في المائة إناث.(4).

التعليم في ليبيا

وحتى العاصمة اللبيبة طرابلس تعاني من ويلات الحرب، حيث أقرت اليونيسف أيضا أن المنطقة تعرضت للهجمات على مستوى البنية التحتية التي يعتمد عليها الأطفال للرفاه والبقاء، وأصيب بالضرر حوالي 30 مرفق صحي نتيجة النزاع، مما اضطرّ 13 منها إلى الإغلاق، كما أن الهجمات على المدارس وتعرّضها للتهديد بالعنف أدى إلى إغلاقات، تركت حوالي 200 ألف طفل خارج مقاعد الدراسة، كما تعرّضت شبكات المياه للهجمات وقاربت اجهزة إدارة النفايات على الانهيار، مما يزيد بشكل كبير من خطر الأمراض المنقولة عن طريق المياه، ومن ضمنها الكوليرا.(5)

التعليم في فلسطين

أما عن فلسطين المحتلة فالفروقات شاسعة بين المدارس العربية ونظيرتها اليهودية، إذ توجد فوارق هامة وكبيرة في عدة زوايا متعلقة بالتعليم العربي، ومن ذلك معدل توزيع الطلاب في الصفوف، إذ يتبين أن الصفوف في المدارس الثانوية والإعدادية العربية مكتظة أكثر مقارنة بالمدارس اليهودية (35 طالب لكل صف مقابل 25 طالب).

وبالنسبة لإنشاء مدارس جديدة في المنطقة فأغلب المشاريع مؤجلة وتتأخر كل عام؛ بسبب عدم منح التراخيص القانونية الذي يعد أكبر عقبة للإنجاز، في حين أن المدارس الموجودة تنتظر آلة الهدم المشتغلة على الدوام، ومثال ذلك ما أفاد به مدير مكتب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في محافظة بيت لحم، حسن بريجية، بأن مؤسسة “رقافيم” الاستيطانية ألصقت إخطارات بالهدم على مدرستي “كيسان” و”تحدي 5″ في منطقة جب الذيب، بحجة أنهما غير قانونيتين، مشيرا إلى أن مدرسة “تحدي 5” تعرضت للهدم خمس مرات قبل إعادة بنائها، في حين أن مدرسة “كيسان” افتتحت العام الدراسي الجاري، وأُخطرت سابقا بوقف البناء فيها، ويتعرض الطلبة فيها إلى مضايقات من قبل المستوطنين.(6)

وفيما يخص قطاع غزة فالعدوان المستمر مهتم بقصف المدارس وهدمها كل مرة، وعلى ذلك يقاس واقع التعليم في المنطقة.

ظاهرة التسرب المدرسي

ظاهرة التسرب المدرسي وما لها من تأثيرات سلبية على مختلف المستويات، الاجتماعية والاقتصادية وغيرها وعلى المدى القريب والبعيد أيضا، مما يخلق فئة هشة غير مكونة وغير مؤهلة تتبنى سلوكات منحرفة وتعمل على خرق النسيج الاجتماعي المتماسك ولا تجد من يحتويها.

التعليم الرقمي قرار مع وقف التنفيذ

فرضت جائحة كورونا حصارا شاملا على المؤسسات التربوية حيث عرفت إغلاقا واسعا امتد لأشهر مما أثر سلبا على العملية التربوية التعليمية على المستوى العالمي، لكن الحلول الموازية كانت حاضرة في الدول التي تحتكم على قاعدة رقمية فعالة في قطاع التربية والتعليم، فيحين تخلفت بقية الدول التي لا تتملك أرضية رقمية متمكنة من مسايرة المستجدات أو أن ما لديها عليه يبقى مجرد مشروع من غير تكنولوجيا رقمية عملية وتطبيقات محوسبة جاهزة لمواكبة البرامج وبلورتها وفق متطلبات الوضع الراهن.

فمشكل التحضير للتعليم عن بعد لوقت الأزمات هو ما كان غائبا عن البرامج، ومن ذلك التعليم إلالكتروني المتزامن، حيث أن الشاشة الرقمية أو إلالكترونية، هي الرابط بين المعلم والمتعلم، داخل فصول إفتراضية.

وهذا ما يحتاج إلى إمكانيات مادية هائلة، من أجل توفير أجهزة إلكترونية فعالة وشبكة اتصال جيدة، فنسبة كبيرة من التلاميذ والطلاب وحتى المعلمين لا يملكون حواسيب في منازلهم، وهناك عائلات لديها أكثر من تلميذ واحد في المدرسة.

ولو توفرت بعض الإمكانيات في جهات معينة يظل غياب الكفاءات وقلة الممارسة مشكلا معقدا، حال دون إنجاح تجربة التعليم عن بعد، مما يستوجب على وزارات التربية والتعليم في الوطن العربي أن نتهتم بفتح دورات تكوينية من أجل زيادة المهارات الرقمية لدى المعلمين وتعليم التلاميذ كيفية استغلال مزايا طريقة التعليم الجديدة عبر وسائط التكنولوجيا والإتصال، وكيفية التعامل مع المنصات الرقمية،والاستعانة بتقنيين ومهندسين لحل المشاكل التقنية، وعدم تعطيل الإتصال المباشر بين كل أطراف العملية التعليمية من أجل ضمان تعليم عالي الكفاءة معزز بأرضيات رقمية مدروسة وذات كفاءة تعليمية مع تحديث التطبيقات المثبتة والاهتمام بالبنى التحتية للاتصالات وشبكة الإنترنت.

وبالنسبة للإستعانة بالتلفاز فقد يفيد ذلك نسبيا لكن العملية الأكثر نجاحا هي توفير الإمكانيات وفتح منصات وتشكيل أقسام افتراضية عملية مباشرة تفاعلية.

بعد التعليم الإلكتروني مكملا للتعليم الحضوري (التقليدي) عامة، لكنه بديل حتمي عند الأزمات وجائحة كوفيد-19 مثال نموذجي للأزمة بحاجة لتنبني نظام تعليمي متطور ملائم للظروف يؤمن بيئة تعليمية تفاعلية تشاركية باستخدام التقنية عن بعد، وفق إجراءات نظامية نموذجية للأداء والتقويم وتثمين المردود التعليمي المعرفي.

الخلاصة

يعاني التعليم العربي من أزمات تنعكس سلبا على التحصيل التربوي والعلمي للتلميذ، وتسبب حالة يأس وإحباط للأولياء، كما تحد من نشاط المعلم وفاعليته، فالمنهجية المعتمدة لا تتوافق مع العناصر الفاعلة في العملية التربوية التعليمية، ومن انتكاسة لأخرى ستنشأ الأجيال بتحصيل تربوي وعلمي ضئيل عاجز عن دخول سوق الشغل يعاني من التبعية يشعر بالدونية منسلخ عن قيمه الأصلية وبعيد عن الهوية.


المراجع:

  • (1)-  جوانب من تأثير الفرنكوفونية في نظام التربية والتعليم بالمغرب، كتاب مجلة البيان، ص33.
  • (2)- مقال من صحيفة لوفيغارو الفرنسية منشور بتاريخ 30/ 12/ 2021 وتم تحديثه يوم 07/02/202.
  • (3)- عن منظمة اليونيسف.
  • (4)- المصدر السابق.
  • (5)- المصدر السابق.
  • (6)- مقال منشور بتاريخ 23/01/2022 على موقع فلسطين الآن.

error: المحتوى محمي !!