5 جويلية 1962 يوم جرت فرنسا أذيال الهزيمة والخيبة

الشيخ العربي التبسي، محمد العربي بن مهيدي، العقيد عميروش، وأسماء أخرى من قائمة طويلة أرعبت جنرالات فرنسا، ومازالت ترعبهم الذكرى كلما فتح أرشيف الثورة الجزائرية أو بالأحرى الجهاد المقدس لتحرير الجزائر من الاستعمار الصليبي.

 رغم كل الوسائل التي جندها المستعمر لفرض السيطرة الفكرية والاجتماعية والهيمنة السياسية والاقتصادية على مدار قرن و32 سنة، لم يستطع تنفيذ أجندته بنجاح، وما غره من اتباع بائعي الذمم والخونة انقلب عليه ليشهد حقيقة الإخلاص ووفاء الأحرار، وولائهم لعقيدتهم.
لم تدخر فرنسا الاستعمارية وحشيتها واستبدادها، وما كان ذلك إلا ليزيد من عزم الشعب الجزائري على اجتثاث جذورها من أرضه، فلا الانتهاكات كسرت إرادة الأحرار ولا المجازر أرهبتهم، لتقف صاغرة في محاولات فاشلة لكشف حقيقة هذا الثبات والتوفيق ولم تجد غير الاحتفاظ بالرفات والجماجم لتبحث عن سر هذه العقول الفذة.

وبالعودة إلى تاريخ ما قبل شهر جويلية/ يوليو من عام 1962م، كل جريمة وفعل محرم كان حاضرا بأرض الجزائر، وكمحاولة بائسة سعت منظمة الجيش السري (‏L’Organisation de l’Armée secrète‏) الشهيرة بـ(OAS) لقمع الثورة وتوقيف مسار الاستقلال، بكل السبل والأساليب الدموية، سلسلة من التفجيرات، اغتيالات، حرق منشآت وغيرها من الجرائم على نهج الجيس الفرنسي المحتل، لكن هيهات أن يقف أمام تصميم الجزائريين على نيل حريتهم، بل الحقيقة الأعمق أن الثورة التحريرية لم تكن سوى جهادا مقدسا.

الخلفية العقدية هي الدافع الأساسي الذي مد المجاهدين بالعزم على خوض حرب غير متكافئة ضد المستعمر الصليبي، والتسارع للدخول إلى ميدان الشرف، وشهادات رجالات الثورة  توقع  على أن مواثيق النضال من صميم عقيدتهم الإسلامية، رافعين التكبير في أرض القتال، مستبشرين بآيات القرآن الكريم، في تحقيق النصر على العدو أو الارتقاء بنيل الشهادة.

الغازي الصليبي أدرك جيدا قوة عقيدة الشعب الجزائري، لذا سعى منذ بداياته  لزعزعة ركائز هذا البعد الروحي، ولم يدخر جهدا لمعاداة الدين الإسلامي و اللّغة العربية، حتى ينجح  في غزوه  لكنه واجه مقاومة  شرسة، وتم صد الحملة الصليبية التي ظنت أنها قوة لا تقهر.

ظلت الجزائر أرض الإسلام لا ترضى بغير التوحيد، ولا مكان  لصلبان الشرك فيها، ومهما جاءت المحاولات لتغيير القناعات، فإن المجاهدين الصادقين  رفضوا تبني أي مبدأ لا يوافق مبادئ الدين الإسلامي،  وعند سؤالهم:” هل كنتم تجاهدون في سبيل الوطن”، يأتي الرد مباشرة:” بل في سبيل الله، لقد كنا نقاتل المستعمر الصليبي لنخرجه من بلد مسلم”.

كثير من المقاتلين الذي حظيوا بشرف الاستنشهاد في ميدان القتال وجدت في جيوبهم مصاحف وحجارة للتيمم، لتلاوة القرآن الكريم والصلاة، وفي ذلك زاد للثبات في المعارك، ويقين بقوله تعالى:” فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ” [سورة الأنفال/ الآية: 17].

إنها الثقة بالخالق، والتوق إلى اللانهاية بنيل أحد الحسنيين، فمن لا يعرف قصة العقيد عميروش –طيب الله  ثراه- الذي استشهد وهو يحمل في جيبه المصحف الشريف.

واليوم بعد مرور 60 عاما على نيل الاستقلال، من الواجب التأكيد على أن الحرية كانت نتاج جهاد مقدس خاضته نفوس متشبعة بالإخلاص، يستحيل أن تقبل موالاة مستعمر غاصب ارتكب الفظائع والمجازر الجماعية، والأدهى  فرض حظرا على الوصول إلى الأرشيف الذي يوثق ويحفظ تلك الجرائم.

القضية أكبر من أزمة عابرة، لأنها نتاج حرب مدمرة طمست الكثير من آثارها الوحشية، وما بقي عالقا في الذاكرة يستحيل أن يمحى، وشهادات الضحايا مازالت حية ولو بعد موتهم.

ففرنسا اليوم هي فرنسا الأمس، مازالت تحن لماضيها الاستعماري المخزي، وتتحين العودة لعصور الاستبداد والقهر، وتسعى بكل السبل لتعطيل نهوض الأمة، تحت مسميات عدة، حماية حقوق الإنسان، الفصل بين الدين والدولة، التعايش السلمي والمصلحة العامة، ولا يهم بعدها خرق من القوانين، تهديد أمن الشعوب واستقرارها، محاربة الإسلام في السر والعلن، البحث عن العمالة وشراء الذمم.

إن عداء فرنسا عقيدة، هذا يقيننا ويقين أجدادنا وآبائنا وأبنائنا، وكذب من قال أن مطامعها انتهت، وما خروجها من الجزائر عام 1962 وهي تجر أذيال الهزيمة وخيبة فشل القوة العسكرية العظمى أمام أناس بسطاء محركهم الأول العقيدة الإسلامية ماهو إلا ضربة  قاصمة ما زالت لحد الساعة  تنتظر ردها وتحاول تحريك السكين في الجراح التي تركتها، فاللهم رد كيدها في نحرها، وتغمد برحمتك الواسعة من حمل لواء الجهاد المقدس بفخر وثبات، ووفق الأجيال للسير على نهجهم لإكمال الرسالة والتصدي لكل عدوان سافر.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: المحتوى محمي !!